وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ: {يُلْحِدُونَ} بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ مِنْ أَلْحَدَ يُلْحِدُ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ: (يَلْحَدُونَ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْحَاءِ مِنْ لَحَدَ يَلْحَدُ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ. الصَّوَابَ فِي ذَلِكَ. غَيْرَ أَنِّي أَخْتَارُ الْقِرَاءَةَ بِضَمِّ الْيَاءِ عَلَى لُغَةِ مَنْ قَالَ: أَلْحَدَ؛ لِأَنَّهَا أَشْهُرُ اللُّغَتَيْنِ وَأَفْصَحُهَمَا.
وَكَانَ ابْنُ زَيْدٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} : إِنَّهُ مَنْسُوخٌ نَسَخَهُ الْقِتَالُ""
وَلَا مَعْنَى لِمَا قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي ذَلِكَ مِنْ أَنَّهِ مَنْسُوخٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} لَيْسَ بِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَرْكِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ فِي قِتَالِهِمْ، وَإِنَّمَا هُوَ تَهْدِيدٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُلْحِدِينَ فِي أَسْمَائِهِ وَوَعِيدٌ مِنْهُ لَهُمْ، كَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ} الْآيَةَ، وَكَقَوْلِهِ: {لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} وَهُوَ كَلَامٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الْأَمْرِ بِمَعْنَى الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ، وَمَعْنَاهُ: إِنْ تُمْهِلِ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ يَا مُحَمَّدُ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ، فَسَوْفَ يُجْزَوْنَ إِذَا جَاءَهُمْ أَجَلُ اللَّهِ الَّذِي أَجَّلَهُ إِلَيْهِمْ جَزَاءَ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَهَا قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَالْإِلْحَادِ فِي أَسْمَائِهِ وَتَكْذِيبِ رَسُولِهِ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 10/}