وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الَّذِي كَانَ اللَّهُ آتَاهُ ذَلِكَ بَلْعَمَ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ أُمَيَّةَ، وَكَذَلِكَ الْآيَاتُ إِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى الْحُجَّةِ الَّتِي هِيَ بَعْضُ كُتُبِ اللَّهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى بَعْضِ أَنْبِيَائِهِ، فَتَعَلَّمْهَا الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَعَنَاهُ بِهَا، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الَّذِي كَانَ أُوتِيهَا بَلْعَمَ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ أُمَيَّةَ؛ لِأَنَّ أُمَيَّةَ كَانَ فِيمَا يُقَالُ قَدْ قَرَأَ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ أُمِرَ نَبِيُّ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يَتْلُوَ عَلَى قَوْمِهِ نَبَأَهُ أَوْ بِمَعْنَى اسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ أَوْ بِمَعْنَى النُّبُوَّةِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا بِهِ أُمَيَّةَ؛ لِأَنَّ أُمَيَّةَ لَا تَخْتَلِفُ الْأُمَّةُ فِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أُوتِيَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَا خَبَرَ بِأَيِّ ذَلِكَ الْمُرَادُ وَأَيُّ الرَّجُلَيْنِ الْمَعْنِيُّ يُوجِبُ الْحُجَّةَ وَلَا فِي الْعَقْلِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنِيَّ بِهِ مِنْ أَيٍّ.
فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ مَا قَالَ اللَّهُ، وَيُقَرُّ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الْوَحْي مِنَ اللَّهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَانْسَلَخَ مِنْهَا} فَإِنَّهُ يَعْنِي: خَرَجَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي كَانَ اللَّهُ آتَاهَا إِيَّاهُ، فَتَبَرَّأَ مِنْهَا.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:" {فَانْسَلَخَ مِنْهَا} قَالَ: نُزِعَ مِنْهُ الْعِلْمُ"
وَقَوْلُهُ: {فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ}
يَقُولُ: فَصَيَّرَهُ لِنَفْسِهِ تَابِعًا يَنْتَهِي إِلَى أَمْرِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَيُخَالِفُ أَمْرَ رَبِّهِ فِي مَعْصِيَةِ الشَّيْطَانِ وَطَاعَةِ الرَّحْمَنِ.
وَقَوْلُهُ: {فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ}
يَقُولُ: فَكَانَ مِنَ الْهَالِكِينَ لِضَلَالِهِ وَخِلَافَةِ أَمْرِ رَبِّهِ وَطَاعَةِ الشَّيْطَانِ.