فإذا لا يحظى مخلوق في ملاحظة حقيقة ذاته إلا بالحيرة والدهشة وأما اتساع المعرفة فإنها تكون في معرفة أسمائه وصفاته
فإن قلت فبماذا تتفاوت درجات الملائكة والأنبياء والأولياء في معرفته إن كان لا يتصور معرفته فأقول قد عرفت أن للمعرفة سبيلين أحدهما السبيل الحقيقي وذلك مسدود إلا في حق الله تعالى فلا يهتز أحد من الخلق لنيله وإدراكه إلا ردته سبحات الجلال إلى الحيرة ولا يشرئب أحد لملاحظته إلا غضت الدهشة طرفه
وأما السبيل الثاني وهو معرفة الصفات والأسماء فذلك مفتوح للخلق وفيه تتفاوت مراتبهم فليس من يعلم أنه عز وجل عالم قادر على الجملة كمن شاهد عجائب آياته في ملكوت السماوات والأرض وخلق الأرواح والأجساد واطلع على بدائع المملكة وغرائب الصنعة ممعنا في التفصيل ومستقصيا دقائق الحكمة ومستوفيا لطائف التدبير ومتصفا بجميع الصفات الملكية المقربة من الله عز وجل نائلا لتلك الصفات نيل اتصاف بها بل بينهما من البون العظيم ما لا يكاد يحصى وفي تفاصيل ذلك ومقاديره يتفاوت الأنبياء والأولياء
ولن يصل إلى فهمك هذا إلا بمثال ولله المثل الأعلى سورة النحل/ الآية 60 ولكنك تعلم أن العالم التقي الكامل مثلا مثل الشافعي رضي الله عنه يعرفه بواب داره ويعرفه المزني رحمه الله تلميذه فالبواب يعرفه أنه عالم بالشرع ومصنف فيه ومرشد خلق الله عز