وأما الإنسان فإن درجته متوسطة بين الدرجتين وكأنه مركب من بهيمية وملكية والأغلب عليه في بداية أمره البهيمية إذ ليس له أولا من الإدراك إلا الحواس التي يحتاج في الإدراك بها إلى طلب القرب من المحسوس بالسعي والحركة إلى أن يشرق عليه بالآخرة نور العقل المتصرف في ملكوت السماوات والأرض من غير حاجة إلى حركة بالبدن وطلب قرب أو مماسة مع المدرك به بل مدركه الأمور المقدسة عن قبول القرب والبعد بالمكان وكذلك المستولي عليه أولا شهوته وغضبه وبحسب مقتضاهما انبعاثه إلى أن يظهر فيه الرغبة في طلب الكمال والنظر للعاقبة وعصيان مقتضى الشهوة والغضب فإن غلب الشهوة والغضب حتى ملكهما وضعفا عن تحريكه وتسكينه أخذ بذلك شبها من الملائكة وكذلك إن فطم نفسه عن الجمود على الخيالات والمحسوسات وأنس بإدراك أمور تجل عن أن ينالها حس أو خيال أخذ شبها أخر من الملائكة فإن خاصية الحياة الإدراك والعقل وإليهما يتطرق النقصان والتوسط والكمال ومهما اقتدى بالملائكة في هاتين الخاصيتين كان أبعد عن البهيمية وأقرب من الملك والملك قريب من الله عز وجل والقريب من القريب قريب
فإن قلت فظاهر هذا الكلام يشير إلى إثبات مشابهة بين العبد وبين الله تعالى لأنه إذا تخلق بأخلاقه كان شبيها له ومعلوم شرعا وعقلا أن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء وأنه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء فأقول مهما عرفت معنى المماثلة المنفية عن الله عز وجل عرفت أنه لا مثل له ولا ينبغي أن يظن أن المشاركة في كل وصف توجب المماثلة
افترى أن الضدين يتماثلان وبينهما غاية البعد الذي لا يتصور أن يكون بعد