صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ كَانَ أُمِّيًّا لَمْ يَقْرَأْ ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْكُتُبِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي بَلَدِهِ مَنْ يَعْرِفُ مِنْ تِلْكَ الْكُتُبِ شَيْئًا ، وَقَدْ كَانَ يَقْرَأُ عَلَى أَعْدَى الْمُعَانِدِينَ لَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (29: 48) ، وَقَوْلُهُ: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا (11: 49) وَلَوْ كَانَ يَعْلَمُ أَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْكُتُبِ لَكَذَّبَهُ فِي هَذَا أُولَئِكَ الْجَاحِدُونَ وَالْمُعَانِدُونَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الِاحْتِجَاجُ بِهَذَا ، وَالْغَرَضُ هُنَا إِقَامَةُ حُجَّةٍ أُخْرَى ، وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَقَلَ عَنِ التَّوْرَاةِ لَوَافَقَهَا فِي كُلِّ مَا نَقَلَهُ ، وَهُوَ قَدْ خَالَفَهَا فِي مَوَاضِعَ بِمَا جَعَلَهُ مُنَزِّلُهُ جَلَّ جَلَالُهُ مُهَيْمِنًا وَرَقِيبًا عَلَيْهَا ، وَمُصَحِّحًا لِأَهَمِّ مَا وَقَعَ مِنَ التَّحْرِيفِ فِيهَا ، وَمِنْهُ تَبْرِئَةُ هَارُونَ وَغَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْجَرَائِمِ الَّتِي عُزِيَتْ إِلَيْهِمْ فِيهَا ، فَجَعَلَتْهُمْ قُدْوَةً سَيِّئَةً كَجَعْلِ هَارُونَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هُوَ الصَّانِعُ لِلْعِجْلِ كَمَا هُوَ مُفَصَّلٌ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ مِنْ سِفْرِ الْخُرُوجِ قَالَ: (1) وَلَمَّا رَأَى الشَّعْبُ أَنَّ مُوسَى أَبْطَأَ فِي النُّزُولِ مِنَ الْجَبَلِ اجْتَمَعَ الشَّعْبُ عَلَى هَارُونَ وَقَالُوا لَهُ: قُمِ اصْنَعْ لَنَا