فَكُلٌّ مِنْ هَذَا وَذَاكَ أَدَاءٌ لِلْكَلَامِ الَّذِي يَقُومُ فِي نَفْسِ صَاحِبِهِ ، وَيُرِيدُ إِيصَالَهُ إِلَى غَيْرِهِ ، وَكُلٌّ مِنْهَا يُسَمَّى كَلَامُهُ حَقِيقَةً كَمَا يُعْلَمُ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ الْخُلَّصِ وَالْمُخَضْرَمِينَ وَالْمُوَلَّدِينَ الَّذِينَ تَلَقَّوْا عَنْهُمَا وَمِنْ بَعْدِهِمْ ، وَلِلْأَخْطَلِ الشَّاعِرِ الْمَشْهُورِ فِي دَوْلَةِ بَنِي أُمَيَّةَ بَيْتٌ مِنَ الشِّعْرِ تَدَاوَلَهُ الْمُتَكَلِّمُونَ ، وَاسْتَشْهَدُوا بِهِ عَلَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ وَالْكَلَامِ اللَّفْظِيِّ ، يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْأَوَّلَ عِنْدَهُ هُوَ حَقِيقَةُ مَدْلُولِ الْكَلِمَةِ ، وَأَنَّ الثَّانِيَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ وَهُوَ:
إِنَّ الْكَلَامَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَا ... جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيلًا
وَلَيْسَ هَذَا بِحُجَّةٍ لُغَوِيَّةٍ عَلَى مَا ذَكَرَ ، وَقُصَارَى الِاحْتِجَاجِ بِشِعْرِ الشَّاعِرِ أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ صَحِيحٌ فِي اللُّغَةِ فِي مُفْرَدَاتِهِ وَتَرْكِيبِهِ ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ رَأْيَهُ فِيهِ صَحِيحًا ، وَلَا أَنْ يَكُونَ كُلَّ مَا يَقُولُهُ حَقًّا فِي الْوَاقِعِ ، وَلَا فِي اعْتِقَادِهِ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ شِعْرًا ، فَاسْتِعْمَالُ الْعَرَبِ لِمَادَّةِ الْكَلَامِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ الْمُرَكَّبَ الدَّالَّ بِالْوَضْعِ عَلَى الْمَعَانِي كَلَامٌ حَقِيقَةٌ ، وَقَدْ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي حَقِيقَةِ الْأَسَاسِ مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ: سَمِعْتُهُ يَتَكَلَّمُ بِكَذَا ، وَكَلَّمْتُهُ وَكَالَمْتُهُ ، وَكَانَا مُتَصَارِمَيْنِ فَصَارَا يَتَكَالَمَانِ ، وَمُوسَى كَلِيمُ اللهِ ، وَنَطَقَ بِكَلِمَةٍ فَصِيحَةٍ وَبِكَلِمَاتٍ فِصَاحٍ وَبِكَلْمٍ اهـ .