تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي مَسْأَلَةِ الرُّؤْيَةِ فَلَا نُعِيدُهُ وَالْعَهْدُ بِهِ قَرِيبٌ ، وَإِنَّمَا نَكْتُبُ شَيْئًا نُقَرِّبُ بِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنَ الْأَفْهَامِ ، بَعْدَ تَفْنِيدِ تَقَالِيدِ عِلْمِ الْكَلَامِ ، فَإِنَّ أَكْثَرَ مُتَكَلِّمِي الْأَشْعَرِيَّةِ قَدْ عَقَّدُوهَا تَعْقِيدًا شَدِيدًا بِمَا حَاوَلُوا بِهِ التَّوْفِيقَ بَيْنَ نُصُوصِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَنَظَرِيَّاتِ الْعَقْلِ بِقَوْلِهِمْ: إِنِ الْكَلَامَ نَفْسِيٌّ وَلَفْظِيٌّ ، فَالْأَوَّلُ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ تَعَالَى ، وَالثَّانِي عِبَارَةٌ عَنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالذَّاتِ تُؤَدَّى بِاللَّفْظِ الَّذِي يَحْصُلُ بِالصَّوْتِ وَالْحُرُوفِ الَّتِي تُكْتَبُ بِالْقَلَمِ ، وَكُلٌّ مِنَ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ وَالْأَلْفَاظِ الَّتِي تُكَيِّفُهَا الْأَصْوَاتُ حَادِثَةٌ مَخْلُوقَةٌ ، قَالُوا: وَإِنَّمَا مَنَعَ السَّلَفُ مِنَ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ ، وَأَنْكَرُوا عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ يُسَمَّى كَلَامَ اللهِ بِمَعْنَى دَلَالَتِهِ عَلَى صِفَةِ اللهِ الْقَدِيمَةِ ، فَلِهَذَا الِاشْتِرَاكِ يُخْشَى أَنْ يُفْضِيَ الْقَوْلُ بِخَلْقِ كَلِمَاتِ الْقُرْآنِ الْمَلْفُوظَةِ وَالْمَكْتُوبَةِ إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ كَلَامَ اللهِ - تَعَالَى - الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ الْقَدِيمَةِ مَخْلُوقٌ .
وَهَذِهِ فَلْسَفَةٌ مَرْدُودَةٌ مُخَالِفَةٌ لِمَذْهَبِ السَّلَفِ كَأَمْثَالِهَا مِنْ تَأْوِيلِ سَائِرِ الصِّفَاتِ ، وَهِيَ غَيْرُ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى أَيْضًا ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ لَا مَدْلُولَ لَهُ إِلَّا مَعَانِي مُفْرَدَاتِهِ ، وَجُمْلَةُ هَذِهِ الْمَعَانِي مِنْهَا الْقَدِيمُ وَهِيَ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللهِ - تَعَالَى - وَصِفَاتُهُ ، وَسَائِرُهَا حَادِثَةٌ ،