واتباع غير ما أنزل الله هو اتباع للسبل الضالة التي تتفرق بها عن الحق، وفى قوله تعالى: (وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) ضمن إشارة بيانية مؤداها أن قوله: (وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) النهي عن أن يتخذوا غير الله أولياء لهم فالله ولي المؤمنين كما قال تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ. . .) ، (قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) أي أنه مع هذه البيانات ومع النهي المتوالي في القرآن عن اتخاذ غير الله أولياء لَا تتذكرون إلا قليلا، وقليلا مفعول لـ"تذكَّرون"و"ما"دالة على قلة التذكر. والمعنى قليلا أي قلة تتذكرون أوامر ربكم وتتعظون بعظاته، (. . . إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) أالرعد،، ويقول الله تعالى: (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى) .
وإن الله تعالى ذكر بالقرى التي كان هلاكها لعدم تذكرها ولنسيانها أمر الله تعالى، فقال تعالت كلماته:
(وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ(4)
إن سنة الله تعالى أن يأتي بعذابه الدنيوي، وهم لاهون غافلون؛ وذلك لأن كفرهم يجعلهم في غفلة، وينسون معه بأس الله تعالى، لأنهم يكفرون به ولا يؤمنون، فيأتيهم من حيث لَا يحتسبون ولا يتوقعون، وإن ذلك كان شأن كل الذين عتوا عن أمر ربهم، ولذلك قال مذكرا من لم يتذكر إلا بقارعات العذاب الذي ينزل بهم: (وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا) و"كم"هنا دالة على الكثرة من غير عدد. و"مِن"لعموم الاستغراق، ولتأكيد معنى الكثرة، والقرية المدينة الكبيرة؛ لأنها تقري الناس وتجمعهم فيها، البأس هنا العذاب الشديد أو الهلاك، كما جاء لقوم لوط، ولقوم هود، ولقوم شعيب، والبيات الليل، ومعنى (بَيَاتًا) وهم بائتون، والمعنى: وكثير من القرى أهلكناها، فجاءها عذابهنا بياتا (أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) ، أي نائمون في القيلولة من شدة الحر، أو مستريحون.