فقوله: {حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا} برهان دال على صدق الرسل في دعواهم، وبطلان شبهات المشركين المكذبين لهم، وبعد أن ذكرهم بالبرهان الواضح أمر رسوله أن يطالبهم بدليل يثبت ما يزعمون، فقال: {هَلْ عِنْدَكُمْ بما تقولون مِنْ عِلْمٍ} تعتمدون عليه وتحتجون به {فَتُخْرِجُوهُ} ؛ أي: فتخرجوا ذلك العلم وتظهروه {لَنا} لنفهمه، ونوازن بينه وبين ما جئناكم به من الآيات العقلية، والوقائع المحكية عن الأمم قبلكم، ونتبين منها الراجح والمرجوح، وفي هذا الاستفهام من التعجيز والتوبيخ والتهكم ما لا يخفى، وهو بمعنى الإنكار؛ أي: ليس عندكم من علم تحتجون به فتظهرونه لنا ما تتبعون في دعاواكم إلا الظن الكاذب الفاسد، وما أنتم إلا تكذبون.
وقرأ النخعي وابن وثاب: {إن يتبعون} - بالياء - قال ابن عطية: وهذه قراءة شاذة يضعفها قوله: {وَإِنْ أَنْتُمْ} ؛ لأنه يكون من باب الالتفات. ذكره أبو حيان في «البحر» .
ثم أردف ذلك ببيان حقيقة حالهم، فقال: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} ؛ أي:
ما تبعون فيما أنتم عليه إلا الظن الباطل الذي لا يغني من الحق شيئا {وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} ؛ أي: وما أنتم في ذلك إلا تكذبون على الله تعالى؛ أي: أنكم لستم على شيء من العلم، بل ما تتبعون في عقائدكم وآرائكم في الدين والعمل به إلا الحدس والتخمين الذي لا يستقر عنده حكم.
149 -وبعد أن نفى عنهم درجات العلم .. أثبت لذاته الحجة البالغة التي لا تعلوها حجة، فقال: {قُلْ} يا محمد لهؤلاء المشركين إن لم تكن لكم حجة {فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ} ؛ أي: الواضحة التي تقطع عذر المحجوج، وتزيل الشك عمن نظر فيها؛ وهي إرسال الرسل وإنزال الكتب.