والثالث: أن المراد بالجن إبليس فقد عبده قوم وسموه ربا ومنهم من سماه إله الشر والظلمة وخص الباري بألوهية الخير والنور. وقد نقل هذا الرأي عن ابن عباس، وقد قال الرازي عن هذا الرأي أنه أحسن الوجوه المذكورة في هذه الآية.
أما ابن كثير فقد رجح الرأي الثاني وقال: فإن قيل كيف عبدت الجن مع أنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام؟.
فالجواب: أنهم ما عبدوها إلا عن طاعة الجن وأمرهم لهم بذلك كقوله: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً وكقوله أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ، إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ وتقول الملائكة يوم القيامة:
سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ.
وقال - سبحانه - وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ ولم يقل: وجعلوا الجن شركاء لله. لإفادة أن محل الغرابة والنكارة أن يكون لله شركاء. ولو قال وجعلوا الجن شركاء لله لأوهم أن موضع الإنكار أن يكون الجن شركاء لله لكونهم جنا. وليس الأمر كذلك، بل المنكر أن يكون لله شريك من أي جنس كان.
وجملة: وَخَلَقَهُمْ حال من فاعل جَعَلُوا مؤكدة لما في جعلهم ذلك من كمال القباحة والبطلان.
أي: وجعلوا لله شركاء الجن والحال أنهم قد علموا أن الله وحده هو الذي خلقهم دون الجن وليس من يخلق كمن لا يخلق، وعليه فالضمير في خلقهم يعود على المشركين الذين جعلوا لله شركاء.
وقيل الضمير للشركاء أي: والحال أنهم قد علموا أن الله هو الذي خلق الجن فكيف يجعلون مخلوقه شريكا له؟.