98 - {وَهُوَ} سبحانه وتعالى {الَّذِي أَنْشَأَكُمْ} وأوجدكم وخلقكم مع كثرتكم واختلاف ألسنتكم وألوانكم {مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} هي الإنسان الأول الذي تسلسل منه سائر الناس بالتوالد، وهو آدم عليه السلام، وفي إنشاء البشر من نفس واحدة آيات بينات على قدرة الله وعلمه وحكمته ووحدانيته، وفي التذكير بذلك إيماء إلى ما يجب من شكر نعمته، وإرشاد إلى ما يجب من التعارف والتعاون بين البشر، وأن يكون هذا التفرق إلى شعوب وقبائل مدعاةً إلى التآلف، لا إلى التعادي والتقاتل وبث روح العداوة والبغضاء بين الناس {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} ؛ أي: ولكم موضع استقرار في الأصلاب، وموضع استيداع في الأرحام، وإنما جعل الصلب مقر النطفة، والرحم مستودعها؛ لأن النطفة تتوالد في الصلب ابتداء، والرحم شبيهة بالمستودع، كما قال الشاعر:
وَإِنَّمَا أُمَّهَاتُ النَّاسِ أَوْعِيَةٌ ... مُسْتَوْدَعَاتٌ وَللآبَاءِ أَبْنَاءُ
فالمستقر على هذا التفسير: صلب الأب، والمستودع: رحم الأم, لأن النطفة حصلت في صلب الأب قبل حصولها في رحم الأم، فحصول النطفة في الرحم من فعل الرجل مشبه بالوديعة، وحصولها في الصلب لا من جهة الغير. وقال أبو مسلم الأصبهاني: إن تقدير الآية: هو الذي أنشأكم من نفس واحدة، فمنكم ذكر ومنكم أنثى، وإنما عبر عن الذكر بالمستقر؛ لأن النطفة إنما تنشأ في صلبه وتستقر فيه، وإنما عبر عن الأنثى بالمستودع؛ لأن رحمها شبيه بالمستودع لتلك النطفة.