قال القاضي عياض: وفائدة ثانية يُنظر إليها في أصول الفقه ويبتنى عليها مسائل لا تتعد من الفقه ويتخلص بها من تشعيب مختلفي الفقهاء في عدة منها وهي الحكم في أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله وهو باب عظيم وأصل كبير من أصول الفقه ولا بد من بنائه على صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - في أخباره وبلاغه، وأنه لا يجوز عليه السهو فيه وعصمته من المخالفة في أفعاله عمدًا وبحسب اختلافهم في وقوع الصغائر وقع خلاف في امتثال الفعل.
5 -القول بالعصمة يحتاج إليها الحاكم والمفتي
قال القاضي عياض: وفائدة ثالثة يحتاج إليها الحاكم والمفتى فيمن أضاف إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئًا من هذه الأمور ووصفه بها فمن لم يعرف ما يجوز وما يمتنع عليه وما وقع الإجماع فيه والخلاف كيف يصمم في الفتيا في ذلك ومن أين يدري هل ما قاله في نقص أو مدح فإما أن يجترئ على سفك دم مسلم حرام أو يسقط حقًّا ويضيع حرمة للنبي - صلى الله عليه وسلم -.
ثالثا: عصمة الأنبياء قبل البعثة.
أولًا: بالنسبة إلى الاعتقاد.
وأما الكفر والبدعة فأجمعت الأمة على عصمتهم منهما قبل النبوة وبعدها. ولم يخالف هذا الإجماع إلا من لا يعتد بخلافهم.
قال القاضي عياض: والصواب أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته والتشكك في شيء من ذلك وقد تعاضدت الأخبار والآثار عن الأنبياء بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ ولدوا ونشأتهم على التوحيد والإيمان بل على إشراق أنوار المعارف نفحات ألطاف السعادة ولم ينقل أحد من أهل الأخبار أن أحد النبي واصطفى ممن عرف بكفر وإشراك قبل ذلك ومستند هذا الباب النقل وقد استدل بعضهم بأن القلوب تنفر عمن كانت هذه سبيله. وأنا أقول: إن قريشًا قد رمت نبينا - صلى الله عليه وسلم - بكل ما افترته، وغير كفار الأمم أنبياءها بكل ما أمكنها واختلقته مما نص الله تعالى عليه أو نقلته إلينا الرواة ولم نجد في شيء من ذلك تعييرًا لواحد منهم برفضه آلهته وتقريعه بذمه بترك ما كان قد جامعهم عليه،