ومن هنا جرت عادة علماء الأصول قبل كلامهم عن أفعاله - صلى الله عليه وسلم - أن يقدموا عليها الكلام على العصمة؛ لأجل أنه ينبني عليها وجوب التأسي بأفعاله - صلى الله عليه وسلم -.
3 -القول بعصمة الأنبياء يحفظ العبد من الوقوع في الباطل.
قال القاضي عياض: قد استبان لك أيها الناظر مما قررناه ما هو الحق من عصمته - صلى الله عليه وسلم - عن الجهل بالله وصفاته أو كونه على حالة تنافي العلم شيء من ذلك كله جملة بعد النبوة عقلًا وإجماعًا وقبلها سماعًا ونقلًا ولا بشيء مما قررناه من أمور الشرع وأداه عن ربه من الوحي قطعًا وعقلًا وشرعًا وعصمته عن الكذب وخلف القول منذ نبأه الله وأرسله قصدًا أو غير قصد واستحالة ذلك عليه شرعًا وإجماعًا ونظرًا وبرهانًا وتنزيهه عنه قبل النبوة قطعا وتنزيهه عن الكبائر إجماعًا وعن الصغائر تحقيقًا وعن استدامة السهو والغفلة واستمرار الغلط والنسيان عليه فيما شرعه للأمة وعصمته في كل حالاته من رضي وغضب وجد ومزح فيجب عليك أن تتلقاه باليمين وتشد عليه يد الضنين وتقدر هذه الفصول حق قدرها وتعلم عظيم قائدتها وخطرها فإن من يجهل ما يجب للنبي - صلى الله عليه وسلم - أو يجوز أو يستحيل عليه ولا يعرف صور أحكامه لا يأمن أن يعتقد في بعضها خلاف ما هي عليه ولا ينزهه عما لا يجب أن يضاف إليه فيهلك من حيث لا يدرى ويسقط في هوة الدرك الأسفل من النار إذ ظن الباطل به اعتقاد ما لا يجوز عليه يحل بصاحبه دار البوار ولهذا ما احتاط - صلى الله عليه وسلم- على الرجلين اللذين رأياه ليلًا وهو معتكف في المسجد مع صفية فقال لهما:
"إنها صفية"، ثم قال لهما:"إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وإني خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ في قُلُوبِكُمَا شَيْئًا".
هذه أكرمك الله إحدى فوائد ما تكلمنا عليه في هذه الفصول ولعل جاهلًا لا يعلم بجهله إذا سمع شيئًا منها يرى أن الكلام فيها جملة من فضول العلم وأن السكوت أولى وقد استبان لك أنه متعين للفائدة التي ذكرناها.
4 -القول بالعصمة يفيد في أصول الفقه في مسألة أقوال النبى - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله.