ومن فطريات الإنسان أيضا أنه لا تتعلق نفسه بما لا بقاء له إلا أن يحول حرص أو شبق أو نحوهما نظره إلى جهة اللذة ويصرفه عن التأمل والامعان في جهة فنائه وزواله ، وقد استعمل القرآن الكريم هذه الطريقة كثيرا في ذم الدنيا ، وردع الناس عن التعلق المفرط بزينتها والانهماك في شهواتها كقوله: (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالامس) (يونس: 24) وقوله ما: (عندكم ينفد وما عند الله باق) (النحل: 96) وقوله: (وما عند الله خير وأبقى) (الشورى: 36) .
فهو عليه السلام يفيد بقوله: (لا أحب الآفلين) أن الذي من شأنه أن يفقده الإنسان ويغيب عنه ولا يبقى ولا يثبت له لا يستحق أن يحبه الإنسان وتتعلق به نفسه ، والرب
الذي يعبده الإنسان يجب أن يحبه فيجب أن لا يكون من شأنه أن يأفل عنه ويفقد فهذه الأجرام الافلة لا تستحق اسم الربوبية ، وهذه - كما ترى - حجة يعرفها العامة والخاصة .
وقد خلط ثالثا بين البزوغ والظهور فحكم أنه غير مناف للربوبية بل القول مبنى عليه فأن من صفات الرب أن يكون ظاهرا إلى آخر ما قال فإن الذي ذكر في الآية - ولم يبن الحجة عليه - هو البزوغ وهو الطلوع والظهور بعد خفاء المنافى للربوبية فيبقى السؤال: لم بنى الكلام على الافول دون البزوغ ؟ على حاله .
وثانيا أن أخذ الافول في الحجة دون البزوغ إنما هو لأن البزوغ لا يستوجب عدم الحب الذي بنى الحجة عليه بخلاف الافول ، وبذلك يظهر ما في قول الكشاف في وجه العدول ، قال: (فإن قلت: لم احتج عليهم بالافول دون البزوغ وكلاهما انتقال من حال إلى حال ؟ قلت: الاحتجاج بالافول أظهر لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب) انتهى .