وبالجملة ليس الإنسان من أول ماينفخ فيه الروح الإنساني واجدا لشرائط التكليف بالاعتقاد الحق أو العمل الصالح ، وإنما يستعد لذلك على سبيل التدريج حتى يستتم الشرائط فيكلف بالطلب والنظر فزمن حياته منقسم لا محالة إلى قسمين هما قبل التمييز والبلوغ وبعد التمييز والبلوغ وهو الزمان الذي يصلح لأن يشغله الاعتقاد كما أن ما يقابله يقابله فيه ، وبين الزمانين الصالح لاشغاله بالاعتقاد وغير الصالح له لا محالة زمان متخلل يتوجه إليه فيه التكليف بالطلب والنظر ، وهو الفصل الذي يبحث فيه عن واجب الاعتقاد بما تهدى إليه فطرته من طريق الاستدلال فيفرض نفسه أو العالم مثلا بلا صانع مرة ومع الصانع أخرى ، ويفرض الصانع وحده مرة ومع الشريك أخرى وهكذا ثم ينظر ما ذا تؤيده الاثار المشهودة في العالم من كل فرض فرضه أو لا تؤيده ؟ فيأخذ بذاك ويترك هذا .
فهو ما لم يتم له الاستدلال غير قاطع بشيء ولا بان على شيء وإنما هو مفترض ومقدر لما افترضه وقدره .
وعلى هذا فقول إبراهيم عليه السلام في الكوكب: (هذا ربى) وكذا قوله الاتى في القمر والشمس ليس من القطع والبناء اللذين يعدان من الشرك ، وإنما هو افتراض أمر للنظر إلى الاثار التي تثبته وتؤيده ، ومن الدليل على ذلك ما في الآيات من الظهور في أنه عليه السلام كان على حاله الترقب والانتظار ، فهذا وجه .
ولكن الذي يتأيد بما حكاه الله عنه في سورة مريم في محاجته أباه: يا أبت إنى