وجوز في (ما) أن تكون تميمية وحجازية وفي {شَيْء} أن يكون فاعل الظرف المعتمد على النفي و {مِنْ حِسَابِهِم} وصف له قدم فصار حالاً ، وأن يكون في موضع رفع بالابتداء والظرف المتقدم متعلق بمحذوف وقع خبراً مقدماً له و {مِنْ} زائدة للاستغراق ، وكلام الزمخشري يشير إلى اختياره ، والجملة اعتراض وسط بين النهي وجوابه تقريراً له ودفعاً لما عسى أن يتوهم كونه مسوغاً لطرد المتقين من أقاويل الطاعنين في دينهم كدأب قوم نوح عليه السلام حيث قالوا: {مَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرأي} [هود: 27] ، والمعنى ما عليك شيء ما من حساب إيمانهم وأعمالهم الباطنة كما يقوله المشركون حتى تتصدى له وتبني على ذلك ما تراه من الأحكام وإنما وظيفتك حسبما هو شأن منصب الرسالة النظر إلى ظواهر الأمور وإجراء الأحكام على موجبها وتفويض البواطن وحسابها إلى اللطيف الخبير ، وظواهر هؤلاء دعاء ربهم بالغداة والعشي وروي عن ابن زيد أن المعنى ما عليك شيء من حساب رزقهم أي من فقرهم ، والمراد لا يضرك فقرهم شيئاً ليصح لك الإقدام على ما أراده المشركون منك فيهم.
{وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَيْء} عطف على ما قبله ، وجيء به مع أن الجواب قد تم بذلك مبالغة في بيان كون انتفاء حسابهم عليه عليه الصلاة والسلام بنظمه في سلك ما لا شبهة فيه أصلاً وهو انتفاء كون حسابه صلى الله عليه وسلم عليهم فهو على طريقة قوله سبحانه: {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34 ، والنحل: 61] في رأي.
وقال الزمخشري:"إن الجملتين في معنى جملة واحدة تؤدي مؤدي {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} [فاطر: 18] كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه ، وحينئذ لا بد من الجملتين"، وتعقب بأنه غير حقيق بجلالة التنزيل.