وعند البصريين لا يجوز إضافة الشيء إلى نفسه وإن اختلف اللفظ، وقالوا في قراءة ابن عامر: (لم يجعل {الْآخِرَةُ} صفة {وَلَلدَّارُ} ؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، ولكنه جعلها صفة الساعة، وكأنه قال: ولدار الساعة الآخرة، وجاز وصف الساعة بالآخرة كما جاز ذلك في اليوم في قوله تعالى: {وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ} [العنكبوت: 36] ، فإن قيل: على هذا التقدير الذي ذكرتم يكون قد أقام {الْآخِرَةُ} التي هي الصفة مقام الموصوف الذي هو الساعة، وذلك قبيح! قيل: لا يقبح ذلك إذا كانت الصفة قد استعملت استعمال الأسماء و {الْآخِرَةُ} صارت كالأبطح والأبرق في استعمالهما أسماء. ألا ترى أنه قال تعالى ذكره: {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} [الضحى: 4] ، فليست {الْآخِرَةُ} كالصفات التي لم تستعمل استعمال الأسماء، ومثل {الْآخِرَةُ} في أنها استعملت استعمال [الأسماء] الدنيا.
والاختيار قراءة العامة؛ لأن الأولى أن تجعل {الْآخِرَةُ} صفة {وَلَلدَّارُ} ، وإذا كانت صفة لها وجب أن يجري عليها في الإعراب ولا يضاف إليها، والدليل على كونها صفة {وَلَلدَّارُ} قوله تعالى: {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} فقد علمت بإقامتها مقامها أنها هي وليست غيرها فيستقيم أن يضاف إليها.
قوله تعالى: {خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} قال ابن عباس: (يريد اتقوا الله ولم يشركوا به شيئًا) .
وقال مقاتل: (للذين اتقوا الشرك) .
وقال الكلبي: (للذين يتقون الكفر والشرك والفواحش) .
وقوله تعالى: {أَفَلَا يَعْقِلُونَ} معناه: أفلا يعقل الذين يتقون أن الدار الآخرة خير لهم من هذه الدار، فيعملوا لما ينالون به الدرجة الرفيعة والنعيم الدائم، فلا يفترون في طلب ما يوصل إلى ذلك.