وقيل: لا يشتد حزنك لأجل كفرهم فتقارب حال الجاهل بأحكام الله وقدره، وقد صرح بهذا في قوله: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} وقال قوم: جاز هذا الخطاب لأنه لقربه من الله ومكانته عنده كان ذلك حملاً عليه كما يحمل العاقل على قريبه فوق ما يحمله على الأجانب، خشية عليه من تخصيص الإذلال.
وقال مكي والمهدوي: الخطاب له والمراد به أمته، وتمم هذا القول بأنه كان يحزنه إصرار بعضهم على الكفر وحرمانهم ثمرات الإيمان.
قال ابن عطية: وهذا ضعيف لا يقتضيه اللفظ؛ انتهى.
وقيل: الرسول معصوم من الجهل والشك بلا خلاف، ولكن العصمة لا تمنع الامتحان بالأمر والنهي، أو لأن ضيق صدره وكثرة حزنه من الجبلات البشرية، وهي لا ترفعها العصمة بدليل:"اللهم إني بشر وإني أغضب كما يغضب البشر"الحديث.
وقوله:"إنما أنا بشر فإذا نسيت فذكروني"انتهى.
والذي أختاره أن هذا الخطاب ليس للرسول، وذلك أنه تعالى قال: {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} فهذا إخبار وعقد كلّي أنه لا يقع في الوجود إلا ما شاء وقوعه، ولا يختص هذا الإخبار بهذا الخطاب بالرسول بل الرسول عالم بمضمون هذا الإخبار، فإنما ذلك للسامع فالخطاب والنهي في {فلا تكونن} للسامع دون الرسول فكأنه قيل: ولو شاء الله أيها السامع الذي لا يعلم أن ما وقع في الوجود بمشيئة الله جمعهم على الهدى لجمعهم عليه، فلا تكونن أيها السامع من الجاهلين بأن ما شاء الله إيقاعه وقع، وأن الكائنات معذوقة بإرادته. انتهى انتهى. {البحر المحيط حـ 4 صـ 495 - 496}