{فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين} أي إذا عرفت أنه سبحانه لم يشأ هدايتهم وإيمانهم فلا تكن بالحرص الشديد على إسلامهم أو الميل إلى نزول مقترحاتهم من قوم ينسبون إلى الجهل بدقائق شؤونه تعالى، وجوز أن يراد بالجاهلين على ما نقل عن المعتزلة المقترحون، ويراد بالنهي منعه صلى الله عليه وسلم من المساعدة على اقتراحهم، وإيرادهم بعنوان الجهل دون الكفر لتحقق مناط النهي.
وقال الجبائي: المراد لا تجزع في مواطن الصبر فيقارب حالك حال الجاهلين بأن تسلك سبيلهم والأول أولى، وفي خطابه سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب دون خطابه بما خوطب به نوح عليه السلام من قوله سبحانه: {إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين} [هود: 46] إشارة إلى مزيد شفقته صلى الله عليه وسلم واشتباب حرصه عليه الصلاة والسلام فافهم هذا. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 7 صـ}
وقال ابن عاشور:
وقوله: {فلا تكونّن من الجاهلين} تذييل مفرّع على ما سبق.
والمراد بـ {الجاهلين} يجوز أن يكون من الجهل الذي هو ضدّ العلم، كما في قوله تعالى خطاباً لنوح {إنّي أعظُك أن تكون من الجاهلين} [هود: 46] ، وهو ما حمل عليه المفسّرون هنا.
ويجوز أن يكون من الجهل ضدّ الحلم، أي لا تضق صدراً بإعراضهم.
وهو أنسب بقوله: {وإن كان كبر عليك إعراضهم} .
وإرادة كلا المعنيين ينتظم مع مفاد الجملتين: جملة: {وإن كان كبر عليك إعراضهم} وجملة {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} .
ومع كون هذه الجملة تذييلاً للكلام السابق فالمعنى: فلا يَكْبُرْ عليك إعراضهم ولا تضق به صدراً، وأيضاً فكن عالماً بأنّ الله لو شاء لجمعهم على الهدى.
وهذا إنباء من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأمر من علم الحقيقة يختصّ بحالة خاصّة فلا يطّرد في غير ذلك من مواقف التشريع.
وإنّما عدل على الأمر بالعلم لأنّ النّهي عن الجهل يتضمّنه فيتقرّر في الذهن مرتين، ولأنّ في النهي عن الجهل بذلك تحريضاً على استحضار العلم به، كما يقال للمتعلّم: لا تنسى هذه المسألة.
وليس في الكلام نهي عن شيء تلبّس به الرسول صلى الله عليه وسلم كما توهّمه جمع من المفسّرين، وذهبوا فيه مذاهب لا تستبين. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 6 صـ}