وقوله تعالى: {قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا} قال الزجاج وابن الأنباري: (معنى دعاء الحسرة: تنبيه الناس على ما وقع بهم من الحسرة، والعرب إذا اجتهدت في المبالغة في الإخبار عن عظيم يقع فيه جعلته نداء، كقوله تعالى: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} [يس: 30] ، و {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} [الزمر: 56] ، و {قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ} [هود: 72] ، وهذا أبلغ من أن يقول: الحسرة علينا في تفريطنا) ، ومثله: {يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} [يوسف: 84] ؛ تأويله: يا أيها الناس تنبهوا على ما وقع في زمان الأسف، فوقع النداء على غير المنادي في الحقيقة؛ لاتساع العرب في مجازها، وهذا كقولهم: لا أريتك هاهنا، وقع النهي على غير المنهي في الحقيقة.
وقال سيبويه: (إنك إذا قلت: يا عجباه، فكأنك قلت: احضر وقال يا عجيب، فإنه من أزمانك، وتأويل يا حسرتاه: انتبهوا على أنّا قد خسرنا) ، فقد حصل للنداء هاهنا تأويلان أحدهما: أن النداء للحسرة، والمراد به تنبيه المخاطبين على قول الزجاج وأبي بكر، وعلى قول سيبويه دُعيت الحسرة على معنى أن هذا وقتك فتعالي.
وقوله تعالى: {عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} قال أبو عبيد: (يقال: فرطت في الشيء ، أي: ضيعته) .
وقوله: {عَلَى مَا فَرَّطْنَا} ، أي: تركنا وضيعنا فيها. وهو قول أبي عبيدة وأكثر أهل اللغة، وبه قال الحسن، فقال: (على ما ضيعنا) ، والتأويل: يا حسرتنا على ما تركنا من عمل الآخرة.
وقال الزجاج: {فَرَّطْنَا} : قدمنا العجز)، جعله من قولهم: فرط فلان إذا سبق وتقدم، وفرط الشيء إذا قدمه، فالتفريط عنده تقديم التقصير.
وقوله: {فِيهَا} قال ابن عباس: (في الدنيا) .
وروي عن الحسن أنه قال: (في الساعة) ، والمعنى: على ما فرطنا في العمل للساعة والتقدمة لها.