وأمّا الذوقي فإنّ أقلّ ما يتوقّف عليه الخطاب حجاب واحد، وهو نسبة المخاطبة، الحاصلة بين المخاطب والمخاطب، والخطاب من أحكام التجلّي ولوازمه، والتجلّي لا يكون إلّا فِي مظهر، وأحكام التجلّي تابعة للمظاهر وأحوالها فإنّه قد بيّنّا أنّ تجلّي الحقّ وخطابه وإن كان واحدا، فإنّه ينصبغ بحكم ما يصل إليه ويمرّ عليه، والمخاطب مقيّد باستعداد خاصّ ومرتبة وروحانيّة وحال وصورة وموطن وغير ذلك. ولكلّ ممّا ذكرنا أثر فيما يرد من الحقّ.
فإذا ما يرد علينا ويصل إلينا، لم يبق على ما كان عليه، ولم يصحّ إدراكنا له بحسبه، بل بحسبنا.
ثم لو فرضنا أنّه لم يلحق ذلك الخطاب تغيّر من حيث القابل ونسبته، كما صحّ وثبت، لكان مجرّد تقيّده بالصفة الخطابيّة اختصاصها بمخاطب واحد أو مخاطبين مخرجا له عمّا كان عليه من الإطلاق والتجريد التامّ، الذي يقتضيه الحقّ لذاته. فكيف؟
والأمر لا ينفكّ عن أحكام القيود المنبّه عليها وإذا كان الأمر على ذلك، فلا مطابقة لأنّ المقيّد بعدّة اعتبارات وقيود لا يطابق المطلق التامّ الإطلاق والتجريد، العاري عن كلّ نعت وصفة وحكم وقيد واعتبار وغير ذلك.
فإن ادّعى معرفة هذا الاسم بطريق الشهود من حيث أحديّة التجلّي والخطاب، فنقول:
الذوق الصحيح التامّ أفاد أنّ مشاهدة الحقّ تقتضي الفناء الذي لا يبقى معه للمشاهد فضلة يضبط بها ما أدرك.
وفي التحقيق الأتمّ أنّه متى شهد أحد الحقّ فإنّما يشهد بما فيه من الحقّ، وما فيه من الحقّ عبارة عن تجلّيه الغيبي الذي قبله المتجلّى له بأحديّة عينه الثابتة المتعيّنة فِي العلم، التي يمتاز بها عن غيره من الوجه الخاصّ دون واسطة، فاستعدّ به لقبول ما يبدو له من التجلّيات الظاهرة فيما بعد بواسطة المظاهر الصفاتيّة والأسمائيّة.