فالصواب أن يقال هذا مطابق لقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة: الآية 5) والإتيان بضمير الجمع في الموضعين أحسن وأفخم، فإن المقام مقام عبودية وافتقار إلى الرب تعالى وإقرار بالفاقة إلى عبوديته واستعانته وهدايته، فأتى به بصيغة ضمير الجمع، أي نحن معاشر عبيدك مقرون لك بالعبودية، وهذا كما يقول العبد للملك المعظم شأنه: نحن عبيدك ومماليكك وتحت طاعتك ولا نخالف أمرك، فيكون هذا أحسن وأعظم موقعاً عند الملك من أن يقول: أنا عبدك ومملوكك، ولهذا لو قال: أنا وحدي مملوكك، استدعى مقته، فإذا قال: أنا وكل من في البلد مماليكك وعبيدك وجند لك كان أعظم وأفخم، لأن ذلك يتضمن أن عبيدك كثير جداً وأنا واحد منهم، وكلنا مشتركون في عبوديتك والاستعانة بك وطلب الهداية منك، فقد تضمن ذلك من الثناء على الرب بسعة مجده وكثرة عبيده وكثرة سائليه الهداية ما لايتضمنه لفظ الإفراد، فتأمله.
وإذا تأملت أدعية القرآن رأيت عامتها على هذا النمط نحو: {رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (البقرة: الآية 20) ونحو دعاء آخر البقرة وآخر آل عمران وأولها وهو أكثر أدعية القرآن.
وأما المسألة العشرون: وهي ما هو الصراط المستقيم، فنذكر فيه قولاً وجيزاً، فإن الناس قد تنوعت عباراتهم فيه وترجمتهم عنه بحسب صفاته ومتعلقاته، وحقيقته شيء واحد وهو طريق الله الذي نصبه لعباده على ألسن رسله وجعله موصلاً لعباده إليه، ولا طريق لهم إليه سواه، بل الطرق كلها مسدودة إلا هذا، وهو إفراده بالعبودية وإفراد رسوله بالطاعة، فلا يشرك به أحداً في عبوديته، ولا يشرك برسوله أحداً في طاعته، فيجرد التوحيد ويجرد متابعة الرسول. وهذا معنى قول بعض العارفين:
إن السعادة والفلاح كله مجموع في شيئين: صدق محبته وحسن معاملته، وهذا كله مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فأي شيء فسر به الصراط فهو داخل في هذين الأصلين.