قال - رحمه الله:
قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ:
اعلم، أنّ هذه الآية تشتمل على أمور تتعلّق بظاهرها، وأمور تختصّ بما بعد الظاهر وفوقه، ونحن نبدأ بالظاهر، ثم نشرع فيما بعد. فنقول:
هذه الآية منتظمة من ثلاث كلمات: لفظة"اهدنا"ولفظة"الصراط"و [لفظة] "المستقيم"، ولكلّ واحدة من هذه الثلاث ثلاث مراتب ظاهرة، وثلاث مراتب باطنة، سننبّه عليها كلّها - إن شاء الله تعالى - فتذكّر تثليث الفاتحة، وافحص عن سرّه، فإن أشهدته شاهدت العجب:
و"اهدنا"، أمر فِي صورة دعاء وسؤال، وهو مأخوذ من الهداية وهي: البيان، وأصل هذه اللفظة بالياء وانحذفت للأمر. وورودها بصيغة الجمع هو إرداف لما سلف فِي قوله:
نَعْبُدُ ونَسْتَعِينُ فكان كلّ من العباد يترجم عن الجميع بلسان النسب الجامع
والحكم المشترك بين الكلّ.
والحكمة الأولى فِي ذلك أنّ الخلق لا يخلو فيهم من عبد يستجاب له فِي عين ما سأل، فيسري حكم دعائه وبركة عبادته تلك فِي الجميع، ولهذا
ورد:"الجماعة رحمة"
وحرّضنا على الصلاة والذكر فِي الجماعة بأنواع من التحريض رجاء البركتين: الواحدة ما ذكرنا من سراية بركة من أجيب دعاؤه وقبلت صلاته كلّها فيمن لم تقبل صلاته ولم يستجب له فِي عين ما سأل وبحسب ما أراد.