ولقوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} عبودية تخصها، وهي شهود عموم رحمته، وسعتها لكل شيء، وأخْذ كل موجود بنصيبه منها، ولاسيما الرحمة الخاصة به التي أقامت عبده بين يديه في خدمته، يناجيه بكلامه ويتملَّقه ويسترحمه ويسأله هدايته ورحمته، وإتمامَ نعمته عليه، فهذا من رحمته بعبده، فرحمتُه وسعتْ كلَّ شيء، كما أن حمده وسعَ كل شيء.
[فَصْلٌ: ذِكْرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ بَعْدَ الْحَمْدِ]
فِي ذِكْرِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ بَعْدَ الْحَمْدِ، وَإِيقَاعِ الْحَمْدِ عَلَى مَضْمُونِهَا وَمُقْتَضَاهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَحْمُودٌ فِي إِلَهِيَّتِهِ، مَحْمُودٌ فِي رُبُوبِيَّتِهِ، مَحْمُودٌ فِي رَحْمَانِيَّتِهِ، مَحْمُودٌ فِي مُلْكِهِ، وَأَنَّهُ إِلَهٌ مَحْمُودٌ، وَرَبٌّ مَحْمُودٌ، وَرَحْمَنٌ مَحْمُودٌ، وَمَلِكٌ مَحْمُودٌ، فَلَهُ بِذَلِكَ جَمِيعُ أَقْسَامِ الْكَمَالِ: كَمَالٌ مِنْ هَذَا الِاسْمِ بِمُفْرَدِهِ، وَكَمَالٌ مِنَ الْآخَرِ بِمُفْرَدِهِ، وَكَمَالٌ مِنِ اقْتِرَانِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ.
مِثَالُ ذَلِكَ: قَوْلُهُ تَعَالَى {وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [التغابن: 6] ، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النساء: 26] ، {وَاللَّهُ قَدِيرٌ} [الممتحنة: 7] ، {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 218] فَالْغِنَى صِفَةُ كَمَالٍ، وَالْحَمْدُ صِفَةُ كَمَالٍ، وَاقْتِرَانُ غِنَاهُ بِحَمْدِهِ كَمَالٌ أَيْضًا، وَعِلْمُهُ كَمَالٌ، وَحِكْمَتُهُ كَمَالٌ، وَاقْتِرَانُ الْعِلْمِ بِالْحِكْمَةِ كَمَالٌ أَيْضًا، وَقُدْرَتُهُ كَمَالٌ وَمَغْفِرَتُهُ كَمَالٌ، وَاقْتِرَانُ الْقُدْرَةِ بِالْمَغْفِرَةِ كَمَالٌ، وَكَذَلِكَ الْعَفْوُ بَعْدَ الْقُدْرَةِ {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 43] وَاقْتِرَانُ الْعِلْمِ بِالْحِلْمِ {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ} [النساء: 12] .