6 -قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}
قال الأصمعي: هداه في الدين يهديه هدى، وهداه يهديه هداية، إذا دله على الطريق.
وأصل الهداية في اللغة: الدلالة. وهوادي الخيل والوحش التي تتقدم للدلالة.
قال عبيد يذكر الخيل:
وغداة صبحن الجفار عوابسا ... تهدى أوائلهن شُعثٌ شزَّبُ
هذا هو الأصل، ثم سمي كل متقدم هاديا وإن لم يتقدم للدلالة. ومنه:
كأن دماء الهاديات بنحره
يريد أوائل الوحش ومتقدماتها. وتسمى العنق هادية لتقدمها على البدن، ويقال: أقبلت هوادي الخيل إذا بدت أعناقها؛ لأنها أول شيء من أجسادها. وقول طرفة:
للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدي ساقه قدمه
أي: حيث تقودها قود الدليل. وسمى الأعشى العصا هاديا في قوله:
إذا كان هادي الفتى في البلاد ... صدر القناة أطاع الأميرا
إما لأنها تتقدمه، وإما لأنها تدله على الطريق، والتقدم في هذا راجع إلى الهداية، لأن من دلك على الطريق تقدمك، ثم سمي المتقدم هاديا وإن لم يدل. والفعل من (الهدى) يتعدى إلى مفعولين، ويتعدى إلى الثاني بأحد حرفي جر (إلى) و (اللام) كقوله: {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 23] ، وقوله: {وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ} [ص: 22] ، وقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} [الأعراف: 43] ، وقوله: {قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ} [يونس: 35] . ومثل هذا في التعدي (الإيحاء) قال الله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: 68] ، وقال: {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) } [الزلزلة: 5] . وقد يحذف حرف الجر من المفعول الثاني في (الهدى) فيصل الفعل إليه بغير حرف جر. كقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] . ومعناه: دلنا عليه، واسلك بنا فيه.
ويقال: ما معنى سؤال المسلمين الهداية في قولهم: (اهدنا) وهم مهتدون؟ والجواب عنه من وجوه: أحدها: أنه قد تعرض للعارف شبه ينتقل بها إلى الجهل، فيحسن أن يسأل اللطيفة التي يتمسك معها بالمعرفة، ولا ينتقل إلى الجهالة.
والثاني: أنهم لما كانوا لا يعلمون ما يكون منهم في المستأنف، حسن أن يسألوا الهداية على وجه التثبيت لما هم عليه من الحق، وقد تستعمل الهداية لا من الضلالة كما قال الحطيئة لعمر رضي الله عنه:
فلا تُعْجِلَنِّي هداك المليكُ ... فإنَّ لكلِّ مَقَامٍ مَقَالا