{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) }
فإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} انتظرَ جواب ربه له: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، وتأمل عبوديةَ هاتين الكلمتين وحقوقهما، وميَّز الكلمة التي لله والكلمة التي للعبد، وفَقِهَ سرّ كون إحداهما لله والأخرى للعبد، وميَّزَ بين التوحيد الذي تقتضيه كلمة"إياك نعبد"والتوحيد الذي تقتضيه كلمة"إياك نستعين"، وفَقِهَ سر كون هاتين الكلمتين في وسط السورة بين نوعي الثناء قبلهما والدعاء بعدهما، وفَقِهَ تقديم"إياك نعبد"على"إياك نستعين"، وتقديم المعمول على الفعل مع الإتيان به مؤخرًا أوجز وأخصر، وسر إعادة الضمير مرة بعد مرة، وعلمَ ما تدفع كل واحدة من الكلمتين من الآفة المنافية للعبودية، وكيف تُدخِله الكلمتان في صريح العبودية، وعَلِمَ كيف يدور القرآن من أوله إلى آخره على هاتين الكلمتين، بل كيف يدور عليهما الخلق والأمر والثواب والعقاب والدنيا والآخرة، وكيف تضمنتا لأجلِّ الغايات وأكمل الوسائل، وكيف جيء بهما بضمير الخطاب والحضور دون ضمير الغائب.
وهذا موضع يستدعي كتابًا كبيرًا، ولولا الخروج عما نحن بصدده لأوضحناه وبسطنا القول فيه، فمن أراد الوقوف عليه فقد ذكرناه في كتاب"مراحل السائرين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين"، وفي كتاب"الرسالة المصرية".