وقال الدكتور/ محمد أبو موسى:
{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) }
جرى الأسلوب على طريقة الغيبة كما ترى، ثم انتقل إلى الخطاب في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ، وقالوا في سر ذلك: إن المعاني السابقة من حمد الله والثناء عليه، وذكر ربوبيته للعالمين ورحمته الغامرة، وملكه ليوم الدين تحث النفوس على الإقبال صوب الحق متجهة إليه بالخطاب معلنة وحدانيته بالعبادة والاستعانة، وهكذا يكون الالتفات هنا مشيرا إلى تصاعد الإحساس بالجلال حتى تخلص النفس في مراحل عروجها من شئونها الأرضية، فتشافه الحق وتعلن هناك غاية العبودية والاستسلام.
{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) }
ويلحظ ابن الأثير في صياغة: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} فرقا دقيقا بين أنعمت عليهم حيث أسند الإنعام صراحة إليه وبين: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} ، حيث تحايل الداعي في أمر الغضب فلم يسنده إليه، ولم يقل غضبت عليهم ليوازن ما قبله.
ويفسر ابن الأثير هذا تفسيرا واعيا بأحوال النفس المتضرعة بهذه الآيات، فيقول:"لأن الأول موضع التقرب من الله بذكر نعمه، فلما صار إلى ذكر الغضب جاء بالفلظ منحرفا عن ذكر الغاضب، فأسند النعمة إليه لفظا وروى عنه لفظ الغضب تحننا ولطفا"، وهذا من التفقد الواعي لصيغ الكلام، وتحليل نظمه، وعلاقاته وروابطه، واستكثر منه. انتهى انتهى {خصائص التراكيب، للدكتور/ محمد أبو موسى} ...