ومن لطائف ونكات تفسير السمعاني:
(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(4)
«فَإِن قَالَ قَائِل» : لم خص يَوْم الدّين بِالذكر، وَالله - تَعَالَى - مَالك الْأَيَّام كلهَا؟
يُقَال: إِنَّمَا خصّه لِأَن الْأَمر فِي الْقِيَامَة يخلص لَهُ، كَمَا قَالَ: {وَالْأَمر يَوْمئِذٍ لله} .
وَأما فِي الدُّنْيَا للملوك أَمر، وللمسلمين أَمر، وللأنبياء أَمر.
(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5)
«فإنْ قيلَ» : لم قدم ذكر الْعِبَادَة على الِاسْتِعَانَة؛ والِاسْتِعَانَةُ تكون قبل الْعِبَادَة؟ وَلم ذكر قَوْله: (إياك) مرَّتَيْنِ، وَكَانَ يكفي أَن يَقُول: إياك نعْبد ونستعين؛ فَإِنَّهُ أوجز وألخص؟
يُقَال: أما الأول فَإِنَّمَا يلْزم من يَجْعَل الِاسْتِطَاعَة قبل الْفِعْل، وَنحن بِحَمْد الله نجْعَل الِاسْتِعَانَة والتوفيق مَعَ الْفِعْل، سَوَاء قرنه بِهِ أم أَخّرهُ جَازَ.
أَو يُقَال: لِأَن الِاسْتِعَانَة نوع تعبد، فَكَأَنَّهُ ذكر جملَة الْعِبَادَة، ثمَّ ذكر مَا هُوَ من تفاصيلها.
وَأما قَوْله: {وَإِيَّاك نستعين} إِنَّمَا كَرَّرَه لِأَنَّهُ لَو اقْتصر على قَوْله: إياك نعْبد ونستعين؛ ليعلم أَنه المعبود، وَأَنه الْمُسْتَعَان، وعَلى أَن الْعَرَب قد تَتَكَلَّم بِمثل هَذَا، قد يدْخل الْكَلَام تجريدا أَو تفخيما وتعظيما. وَلَا يعد ذَلِك عَيْبا، كَمَا تَقول الْعَرَب:"هَذَا الْمَالِك بَين زيد، وَبَين عَمْرو"، وَإِن كَانَ يُفِيد قَوْلهم:"المَال بَين زيد، وَعَمْرو". مَا يُفِيد الأول، وَلَا يعد ذَلِك عَيْبا فِي الْكَلَام؛ بل عد تفخيما وتجزيلا فِي الْكَلَام.
(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6)
«فَإِن قَالَ قَائِل» : أَي معنى للاسترشاد، وكل مُؤمن مهتد، فَمَا معنى قَوْله {اهدنا} ؟
قُلْنَا: هَذَا سُؤال من يَقُول بتناهي الألطاف من الله تَعَالَى. وَمذهب أهل السّنة أَن الألطاف والهدايات من الله تَعَالَى لَا تتناهى، فَيكون ذَلِك بِمَعْنى طلب مزِيد الْهِدَايَة، وَيكون بِمَعْنى سُؤال للتثبيت، اهدنا بِمَعْنى ثبتنا، كَمَا يُقَال للقائم:"قُم حَتَّى أَعُود إِلَيْك".
أَي: اثبت قَائِما. انتهى انتهى {تفسير السمعاني} ...