ومن لطائف ونكات تفسير النسفي:
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(1)
وتعلقت الباء بمحذوف تقديره: باسم الله أقرأ أو أتلو، لأن الذي يتلو التسمية مقروء كما أن المسافر إذا حل وارتحل فقال باسم الله والبركات كان المعنى باسم الله أحل وباسم الله أرتحل، وكذا الذابح وكل فاعل يبدأ في فعله باسم الله كان مضمراً ما جعل التسمية مبدأ له.
وإنما قدر المحذوف متأخراً لأن الأهم من الفعل والمتعلق به هو المتعلق به، وكانوا يبدأون بأسماء آلهتهم فيقولون باسم اللات وباسم العزى، فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله عز وجل بالابتداء وذا بتقديمه وتأخير الفعل.
وإنما قدم الفعل في {اقرأ باسم رَبّكَ} لأنها أول سورة نزلت في قول، وكان الأمر بالقراءة أهم فكان تقديم الفعل أوقع.
وحذفت الألف في الخط هنا وأثبتت في قوله: {اقرأ باسم رَبّكَ} لأنه اجتمع فيها أي في التسمية مع أنها تسقط في اللفظ لكثرة الاستعمال، وطولت الباء عوضاً عن حذفها، وقال عمر بن عبد العزيز لكاتبه: طول الباء وأظهر السينات ودور الميم.
(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2)
والعالم كل ما علم به الخالق من الأجسام والجواهر والأعراض، أو كل موجود سوى الله تعالى سمي به لأنه علم على وجوده.
وإنما جمع بالواو والنون مع أنه يختص بصفات العقلاء أو ما في حكمها من الأعلام لما فيه من معنى الوصفية وهي الدلالة على معنى العلم.
(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(4)
والتخصيص بيوم الدين لأن الأمر فيه لله وحده، وإنما ساغ وقوعه صفة للمعرفة مع أن إضافة اسم الفاعل إضافة غير حقيقية لأنه أريد به الاستمرار فكانت الإضافة حقيقية، فساغ أن يكون صفة للمعرفة، وهذه الأوصاف التي أجريت على الله سبحانه وتعالى من كونه رباً أي مالكاً للعالمين ومنعماً بالنعم كلها ومالكاً للأمر كله يوم الثواب والعقاب بعد الدلالة على اختصاص الحمد به في قوله: {الحمد للَّهِ} دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه بالحمد والثناء عليه.
(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5)
وقدمت العبادة على الاستعانة لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة أقرب إلى الإجابة، أو لنظم الآي كما قدم الرحمن، وإن كان الأبلغ لا يقدم.
وأطلقت الاستعانة لتتناول كل مستعان، فيه، ويجوز أن يراد الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادات. انتهى انتهى {تفسير النسفي} ...