وقال العلامة مجد الدين الفيروزابادي:
وأَمَّا المتشابهات فقوله (الرحمن الرَّحيم ملك) فيمن جعل البسملة منها، وفى تكراره أَقوال.
قيل: كرّر للتَّأْكيد.
وقيل: كُرِّر لأَن المعنى: وجب الحمد لله لأَنه الرَّحمن الرَّحيم.
وقيل: إِنما كُرِّر لأَن الرحمة هي الإِنعام على المحتاج وذكر فِي الآية الأَولى المنعِم ولم يذكر المنعَم عليهم، فأَعادها مع ذكرهم، وقال: ربِّ العالمين، الرحمن بهم أَجمعين الرحيم بالمؤمنين خاصَّة يوم الدين، ينعم عليهم ويغفر لهم، وقيل: لمَّا أَراد ذكر يوم الدين لأَنه مِلكة ومالكه، وفيه يقع الجزاءُ، والعقاب، والثواب وفى ذكره يحصل للمؤمني مالا مزيد عليه: من ارعب والخشية، والخوف، والهيبة.
قدَّم عليه ذكر الرَّحمن الرحيم تطميناً له، وتأْميناً، وتطييباً لقلبه، وتسكيناً، وإِشعاراً بأَن الرَّحمة سابقة غالبة، فلا ييأَس ولا يأْسى فإِن ذلك اليوم - وإِن كان عظيماً عسيرا - فإِنما عُسْره وشِدّته على الكافرين؛ وأَمَّا المؤمن فبَيْن صفتى الرَّحمن الرَّحيم من الآمنين.
ومنها قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} كرّر {إِيَّاكَ} ولم يقتصر على ذكره مرّة كما اقتصر على ذكر أَحد المفعولين فِي {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} وفى آيات كثيرة؛ لأَن فِي التقديم فائدة وهي قطع الاشتراك، ولو حُذف لم يدلّ على التقدّم؛ لأَنك لو قلت: إِيَاك نعبد ونستعين لم يظهر أَن التّقدير: إِيّاك نعبد وإِيّاك نستعين.
وكرّر {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} لأَنّه يقرب ممَّا ذكرنا فِي {الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} .
وذلك بأن الصّراط هو المكان المهيَّأ للسّلوك، فذَكر فِي الأَوّل المكان ولم يَذكر السّالكين، فأَعاده مع ذكرهم، فقال: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} وهم النبيّون والمؤمنون.
ولهذا كرّر أَيضاً فِي قوله {إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ} لأَنّه ذكر المكان المهيّأ وقوله {عَلَيْهِم} ليس بتكرار لأَنّ كلّ واحد منهما متَّصل بفعل غير الآخر، وهو الإِنعام والغضب، وكلّ واحد منهما يقتضيه، وما كان هذا سبيليه فليس بتكرار، ولا من المتشابِه. والله أعلم. انتهى انتهى. {بصائر ذوى التمييز حـ 1 صـ 129 - 131}