وقال العلامة الكرماني رحمه الله
* أول المتشابهات قوله [تعالى] : الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. مالِكِ: فمن جعل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ من الفاتحة ففي تكراره قولان: قال على بن عيسى:
إنما كرّر للتوكيد. وأنشد قول الشاعر:
هلا سألت جموع كندة ... يوم ولّوا أين أينا.
وقال أبو القاسم بن حبيب: إنما كرر؛ لأن المعنى: «وجب الحمد لله لأنه الرحمن الرحيم» .
قلت: إنما كرر لأن الرحمة هي الإنعام على المحتاج. وذكر في الآية الأولى المنعم ولم يذكر المنعم عليهم، فأعادها مع ذكرهم وقال: رَبِّ الْعالَمِينَ. الرَّحْمنِ لهم أجمعين:
ينعم عليهم ويرزقهم الرَّحِيمِ بالمؤمنين خاصة يوم الدين ينعم عليهم ويغفر لهم.
[وقيل: لما أراد ذكر يوم الدين لأنه ملكه ومالكه وفيه يقع الجزاء والعقاب والثواب، وفى ذكره يحصل للمؤمن ما لا مزيد عليه من الرعب والخشية والخوف والهيبة: قدّم عليه ذكر الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تطمينا له وتأمينا وتطييبا لقلبه وتسكينا، وإشعارا بأن الرحمة سابقة غالبة فلا ييأس ولا يأسى، فإن ذلك اليوم وإن كان عظيما عسيرا، فإنما عسره وشدته على الكافرين، وأما المؤمن فبين صفتى الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ من الآمنين] .
* قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ: كرر [إياك] ولم يقتصر على ذكره مرة،
كما اقتصر على ذكر أحد المفعولين في آيات كثيرة منها: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى أي [و] ما قلاك وكذلك الآيات التي بعدها: «فآواك، فهداك، فأغناك» :
لأن في التقديم فائدة: وهي قطع الاشتراك، ولو حذف لم يدل على التقديم، لأنك لو قلت: «إياك نعبد ونستعين» لم يظهر أن التقدير: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ أم «إياك نعبد ونستعينك» فكرز.
* قوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ؛ كرّر لعلة تقرب مما ذكرت في الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، وذلك أن الصراط هو المكان المهيّأ للسلوك. فذكر في الأول المكان ولم يذكر السالكين. فأعاده مع ذكرهم فقال: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ: أي الذي سلكه النبيون والمؤمنون، ولهذا كرر أيضا في قوله: إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. صِراطِ اللَّهِ؛
لأنه ذكر المكان المهيّأ ولم يذكر المهيئ، فأعاده مع ذكره فقال: صِراطِ اللَّهِ أي الذي هيّأه [الله] للسالكين.
* قوله تعالى: عَلَيْهِمْ ليس بتكرار؛ لأن كل واحد منهما متصل بفعل غير الآخر وهو الإنعام والغضب، وكل واحد منهما يقتضيه اللفظ وما كان هذا سبيله فليس بتكرار ولا من المتشابه [والله أعلم] . انتهى انتهى. {أسرار التكرار فِي القرآن صـ 19 - 21}