قرّاء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها على أنّ التسمية ليست بآية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وإنما كتبت للفصل والتبرك بالابتداء بها، كما بدئ بذكرها فِي كل أمر ذي بال، وهو مذهب أبي حنيفة - رحمه الله - ومن تابعه، ولذلك لا يجهر بها عندهم فِي الصلاة.
وقرّاء مكة والكوفة وفقهاؤهما على أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة، وعليه الشافعي وأصحابه رحمهم الله، ولذلك يجهرون بها.
وقالوا: قد أثبتها السلف فِي المصحف مع توصيتهم بتجريد القرآن، ولذلك لم يثبتوا {آَمِينٌ}
فلولا أنها من القرآن لما أثبتوها.
وعن ابن عباس:"من تركها فقد ترك مائة وأربع عشرة آية من كتاب الله تعالى".
فإن قلت: بم تعلقت الباء؟
قلت: بمحذوف تقديره: بسم الله اقرأ أو أتلو؛ لأنّ الذي يتلو التسمية مقروء، كما أنّ المسافر إذا حلّ أو ارتحل فقال: بسم الله والبركات، كان المعنى: بسم الله أحل وبسم الله أرتحل؛ وكذلك الذابح وكل فاعل يبدأ فِي فعله؛ ب"بسم الله"كان مضمراً ما جعل التسمية مبدأ له.
ونظيره فِي حذف متعلق الجارّ قوله عزّ وجلّ: {في تسع آّيات إلى فرعون وقومه} [النمل: 12] ، أي اذهب فِي تسع آيات.
وكذلك قول العرب فِي الدعاء للمعرس: بالرفاء والبنين، وقول الأعرابي: باليمن والبركة، بمعنى أعرست، أو نكحت.
ومنه قوله:
فقُلْتُ إلى الطَّعام فقَالَ مِنْهُم ...
فَرِيقٌ نحْسُدُ الإِنْسَ الطَّعَامَا
فإن قلت: لم قدّرت المحذوف متأخراً؟
قلت: لأنّ الأهم من الفعل والمتعلق به هو المتعلق به؛ لأنهم كانوا يبدءون بأسماء آلهتهم فيقولون: باسم اللات، باسم العزى، فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله عزّ وجلّ بالابتداء، وذلك بتقديمه وتأخير الفعل كما فعل فِي قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}
، حيث صرح بتقديم الاسم إرادة للاختصاص.
والدليل عليه قوله: {بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} [هود: 41] .