ما مضى في الأبواب السالفة هي الأحوال التي يلاحظ فيها البليغ مقتضى ظاهر الحال، وقد يعدل عنها لنكنة، فعلى المخاطب أن يبحث عن سبب العدول مستعينا بالقرائن، ويسمى ذلك: الخروج عن مقتضى الظاهر.
وقد سبق ذكر شيء من أحواله نبهناك عليه في حينه، كتنزيل العالم منزلة الجاهل، والمعقول منزلة المحسوس، وقد بقي منه أمور أهمها 1 تجاهل العارف"مزج الشك باليقين"وهو إخراج ما يعرف صحته مخرج ما يشك فيه ليزداد تأكيدا، والداعي إليه:
1 -إما المدح كقول ذي الرمة:
أبا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقي آأنت أم أم سالم 2
وقول أبي هلال العسكري:
أثغر ما أرى أم أقحوان ... وقد ما أرى أم خيزران
2 -وإما الذم كقول زهير:
وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء
3 -وإما التعجب كقوله تعالى: {أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ} 3.
4 -وإما التوبيخ كقول ليلى بنت طريف الخارجية في أخيها الوليد:
أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف 4
1 سماء بن رشيق العمدة التشكيك وفائدته الدلالة على قرب الشبهين حتى لا يفرق بينهما ولا يتخفى ما له من حسن الروعة وجمال الموقع.
2 الوعساء وجلاجل، والنقي مواضع.
3 سورة الطور الآية: 15.
4 الخابور نهر بديار بكر يصب في الفرات.