فصل فِي ترجمة القرآن الكريم
قال الشيخ محمد أبو زهرة:
ترجمة القرآن:
259 -أجمع العلماء على أنَّ القرآن هو اللفظ والمعنى ، وأن من خالف ذلك يعد قد خالف فِي أمرٍ عُرفَ من الدين بالضرورة ، وليس المعنى وحده يُعَدّ قرآنًا ؛ لأنَّ التحدي كان باللفظ والمعنى ، ولمَّا تحداهم الله تعالى طالبهم أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات ، وواضح أنَّ التحدي هنا باللفظ.
وأنَّ جبريل - عليه السلام - نزل على النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بلسان عربي مبين ، ولقد وصف القرآن الكريم بأنه عربي ، فقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا} ، وقال تعالى: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} ، فالقرآن بلفظه ومعناه عربي ، ولا يصح أن يقال عن كتابه بعض معانيه بغير العربية أنها قرآني.
ومع وضوح هذه الحقيقة البدهية التي لا تختلف فيها العقول عند أهل الإيمان ، ولا تتباين فيها الأنظار ، وجدّ من الناس من ادَّعى أنَّ معاني القرآن قرآن ، وأنه على هذا الاعتبار تجوز ترجمة القرآن الكريم ، على أن يكون المترجم قرآنًا له كل خواص القرآن ، ويتعبَّد به كما يتعبّد بالقرآن الذي نزل به جبريل بلسان عربي.
بل وصل التهافت فِي القول إلى أن يدَّعي بعض الذين لا حرج على ألسنتهم ولا على قلوبهم أن يقول: إنَّ الذي نزل به جبريل على النبي - عليه الصلاة والسلام - هو المعنى فقط.
وذلك كله هراء من القول ، وانحراف عن الدين ، أو خروج عنه.
وفي وسط ذلك المضطرب كان من بين الذين يتجنَّون على القرآن من ادَّعى أن الإمام الأعظم أبا حنيفة النعمان يرى أنَّ القرآن هو المعنى فقط ، وبنوا على هذا جواز ترجمة القرآن عند أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه وأكرم مثواه ، والأصل الذي بنوا عليه دعواهم أنَّه رأى فِي صدر حياته طوائف من الفرس قد دخلوا فِي الإسلام ، وقد علموا العربية ، ولكنَّ ألسنتهم لم تطوع للنطق بها من غير رطانة أعجمية ، بل كانت تتلوَّى فِي مخارج الحروف العربية ، كما نجد اليوم الأعاجم الذين يعلمون اللغة العربية ، ولا تطاوعهم ألسنتهم فِي النطق السليم بها ، فسوغ أبو حنيفة لهؤلاء أن يقرأوا معاني الفاتحة بلغتهم الفارسية ، وقد روي فِي هذا أنَّ أهل فارس فِي عهد الصحابة قد صعب عليهم مخارج الحروف العربية ، فطلبوا إلى سلمان الفارسي أن يعبِّر لهم بالفارسية عن معاني الفاتحة ففعل ، حتى لانت ألسنتهم وقرأوا القرآن باللغة العربية ، وقد اشترط أبو حنيفة لجواز ذلك ألَّا يكون الشخص مبتدعًا بهذا العلم ، أي: إنه يترك القراءة بالعربية مع القدرة على النطق الصحيح بها ، وإخراج الحروف من مخارجها ، ليقرأ معانيه بلغة أخرى فارسية أو أوربية.
وقد روي عن أبي حنيفة أنه رجع عن هذا الرأي ، روى هذا نوح بن أبي مريم الجامع ، وهو الذي رجَّحه الأكثرون ، وأنَّ النظرة التاريخية الفاحصة تجد ترجيح هذه