تنبَّه الشيخ أبو الفضل عبد الله بن الصديق الغُماري - رحمه الله - إلى التمييز بين نوعي علم المناسبة ، وهو تمييزٌ جيد ، يفيد فِي مجال التأريخ لكتابته ، ورصد المهتمين به .. قال - رحمه الله -: (( المناسبة علم شريف عزيز ، قلَّ اعتناء المفسرين به لدقته ، واحتياجه إلى مزيد فكر وتأمل . وهو نوعان: أحدهما: مناسبة الآي بعضها لبعض ، بحيث يظهر ارتباطها وتناسقها كأنها جملة واحدة .(...) وثانيهما: مناسبة السور بعضها لبعض )) (1) .
ولعل أول من تكلم فِي علم المناسبة - على وجه العموم - هو الشيخ أبوبكر النيسابوري ، كما مرَّ معنا عند كلامنا عن المبادئ العشرة لهذا العلم .
وأما بالنظر إلى نوعيه .. فلعل الحافظ برهان الدين البقاعي هو أهم - إن لم يكن أول - من صنف فِي نوعه الأول بشكل مستقل ، وذلك فِي كتابه المشهور (نظم الدرر فِي تناسب الآيات والسور) .. ونظراً لأهمية البقاعي فِي هذا الباب ، فسوف أفرده بالكلام عند الحديث عن أبرز أعلام هذا العلم . ثم جاء الحافظ السيوطي فصنف (قطف الأزهار فِي كشف الأسرار) ، ووصفه بأنه (( كتاب فِي أسرار التنْزيل ، وبأنه جامع لمناسبات السور والآيات ، مع ما تضمنه من بيان وجوه الإعجاز وأساليب البلاغة ) ).
وثمة كلام لابن العربي فِي كتابه (سراج المريدين) - نقله عنه الزركشي في
(1) جواهر البيان فِي تناسب سور القرآن ، السيد عبدالله بن الصديق الغماري ، مكتبة القاهرة ، ص 14 ، 16 .