ويروم بعد ذلك ترجيح أحدهما على الآخر بزيادة فضل لا يُنقص الآخر، فيأتي لأجل ذلك بمعان تخالف معنى التسوية، كقوله تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ(78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا).
سوَّى فِي الحكم والعلم، وزاد فِي فَضْل سليمان بالفهم.
حسن النسق
وهو أن يتكلم المتكلم بكلمات متواليات معطوفات متلاحمات تلاحما سليما
مستحسنا، بحيث إذا أفردت كل جملة منها قامت بنفسها، واستقل معناها
بلفظها، ومنه قوله تعالى: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(44) .
فإنها جمل معطوف بعضها على بعض بواو النسق على الترتيب الذي
تقتضيه البلاغة من الابتداء بالأهم الذي هو انحسار الماء عن الأرض المتوقف
عليه غاية مطلوبِ أهل السفينة، من الإطلاق من سِجنها، ثم انقطاع مادة السماء المتوقف عليه تمام ذلك، من دَفْع أذاه بعد الخروج، ومنع إخلاف ما كان بالأرض، ثم الإخبار بذهاب الماء بعد انقضاء المادتين الذي هو متأخر عنه قطعاً، ثم بقضاء الأمر الذي هو هلاك مَنْ قدّر هلاكه ونجاة من سبق نجاته، وأخر عما قبله لأن علم ذلك لأهل السفينة بعد خروجهم منها، وخروجهم موقوف على ما تقدم، ثم أخبر باستواء السفينة واستقرارها المفيد ذهاب الخوف، وحصول الأمن
من الاضطراب، ثم ختم بالدعاء على الظالمين، لإفادة أن الغرق وإن علم الأرض فلم يشمل إلا من استحق العذاب لظلمه.
عتاب المرء نفسه
ومنه: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا(27) .