لَا خِلَافَ فِي التَّسَامُحِ بِالْوَقْفِ عَلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ دُونَ الْمُسْتَثْنَى إِذَا كَانَ مُتَّصِلًا، وَاخْتُلِفَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ وَالْوَقْفِ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ: فَمِنْهُمْ مَنْ يُجَوِّزُهُ مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْنَعُهُ مُطْلَقًا، وَفَصَّلَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي"أَمَالِيهِ"فَقَالَ: يَجُوزُ إِنْ صُرِّحَ بِالْخَبَرِ، وَلَا يَجُوزُ إِنْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا صُرِّحَ بِالْخَبَرِ اسْتَقَلَّتِ الْجُمْلَةُ وَاسْتَغْنَتْ عَمَّا قَبْلَهَا، وَإِذَا لَمْ يُصَرَّحُ بِهِ كَانَتْ مُفْتَقِرَةً إِلَى مَا قَبْلَهَا، قَالَ: وَوَجْهُ مَنْ جَوَّزَ مُطْلَقًا أَنَّهُ فِي مَعْنَى مُبْتَدَأٍ حُذِفَ خَبَرُهُ لِلدَّلَالَةِ عَلَيْهِ، فَكَانَ مِثْلَ قَوْلِنَا: زَيْدٌ، لِمَنْ قَالَ: مَنْ أَبُوكَ؟ أَلَا تَرَى أَنَّ تَقْدِيرَ الْمُنْقَطِعِ فِي قَوْلِكَ: مَا فِي الدَّارِ أَحَدٌ إِلَّا الْحَارِثُ؛ لَكِنَّ الْحَارِثَ فِي الدَّارِ، وَلَوْ قُلْتَ: لَكِنَّ الْحَارِثَ، مُبْتَدِئًا بِهِ بَعْدَ الْوُقُوفِ عَلَى مَا قَبْلَهُ لَكَانَ حَسَنًا؛ أَلَا تَرَى إِلَى جَوَازِ الْوَقْفِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى مِثْلِ قَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا} (يُونُسَ: 44) ، وَالِابْتِدَاءِ بِقَوْلِهِ: {، وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} ، فَكَذَلِكَ هَذَا، وَوَجْهُ مَنْ قَالَ بِالْمَنْعِ مَا رَأَى مِنِ احْتِيَاجِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ إِلَى مَا قَبْلَهُ لَفْظًا وَمَعْنًى؛ أَمَّا اللَّفْظُ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُعْهَدِ اسْتِعْمَالُ"إِلَّا"وَمَا فِي مَعْنَاهَا إِلَّا مُتَّصِلًا بِمَا قَبْلَهَا لَفْظًا، أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: مَا فِي الدَّارِ أَحَدٌ غَيْرُ حِمَارٍ، فَوَقَفْتَ عَلَى مَا قَبْلَ"غَيْرُ"وَابْتَدَأْتَ بِهِ كَانَ قَبِيحًا، فَكَذَلِكَ هَذَا، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَلِأَنَّ مَا قَبْلَهُ مُشْعِرٌ بِتَمَامِ الْكَلَامِ فِي الْمَعْنَى، فَإِنَّ: مَا فِي الدَّارِ أَحَدٌ إِلَّا الْحِمَارُ، هُوَ الَّذِي صَحَّحَ قَوْلَكَ:"إِلَّا الْحِمَارُ"أَلَا تَرَى أَنَّكَ لَوْ قُلْتَ:"إِلَّا الْحِمَارُ"عَلَى انْفِرَادِهِ كَانَ خَطَأً.
اخْتُلِفَ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْجُمْلَةِ النِّدَائِيَّةِ، فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالْمُحَقِّقُونَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى الْجَوَازِ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَقِلَّةٌ، وَمَا بَعْدَهَا جُمْلَةٌ أُخْرَى، وَإِنْ كَانَتِ الْأُولَى تَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ حَيْثُ كَانَتْ هِيَ فِي الْمَعْنَى.