أما الحنفية: فالذي أفتى به علماؤهم بطلان الصلاة إن غيّر المعنى، وصحتها إن لم يغير.
وقال السرخسى في «أصوله» ، بعد أن قرر أن القرآن لا بد من تواتره: ولهذا قال الأئمة: لو صلى بكلمات تفرد بها ابن مسعود لم تجز صلاته؛ لأنه لم يوجد فيه النقل المتواتر، وبأن القرآن باب يقين وإحاطة؛ فلا يثبت بدون النقل المتواتر كونه قرآنا، وما لم يثبت أنه قرآن فتلاوته في الصلاة كتلاوة خبر؛ فيكون مفسدا للصلاة.
وأما المالكية: فقال ابن عبد البر في «تمهيده» : قال مالك: من قرأ بقراءة ابن مسعود أو غيره من الصحابة، مما يخالف المصحف، لم يصلّ وراءه، وعلماء المسلمين مجمعون على ذلك، وقال مالك في «المدونة» : من صلى بقراءة ابن مسعود أعاد أبدا.
قال الشيخ أبو بكر الأبهرى: لأنها نقلت نقل آحاد، [ونقل الآحاد] غير مقطوع به، والقرآن إنما يؤخذ بالنقل المقطوع، وعلى هذا فكل قراءة نقلت نقل آحاد تبطل بها الصلاة، ومثله قول ابن شاس: ومن قرأ بالقراءة الشاذة لم يجزه، ومن ائتم به أعاد أبدا، وقال ابن الحاجب: ولا يجزئ بالشاذ ويعيد أبدا.
وأما الشافعية: فقال النووى في «الروضة» : وتصح بالقراءة الشاذة إن لم يكن فيها تغيير معنى ولا زيادة حرف ولا نقصانه، وهذا هو المعتمد وبه الفتوى. وكذا ذكر في «التحقيق» حيث قال: تجوز القراءة بالسبع دون الشواذ، فإن قرأ بالشاذ صحت صلاته إن لم يغير معنى ولا زاد حرفا ولا نقص.
وكذا قال الرويانى في «بحره» : إن لم يكن فيها تغيير معنى لم تبطل، وإن كان
فيها زيادة كلمة أو تغيير معنى فتلك القراءة تجرى مجرى أثر عن الصحابة أو خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان عمدا بطلت صلاته، أو سهوا سجد للسهو.
قال الزركشى: وينبغى أن يكون هذا التفصيل في غير الفاتحة؛ ولهذا قال الجزرى في «فتاويه» : إن كان في الفاتحة فلا تجزئ؛ لأنا نقطع بأنها ليست من القرآن، والواجب قراءة الفاتحة لا غيرها، بخلاف السورة. والله أعلم.
فصل: لا بأس بذكر أجوبة بعض علماء العصر في هذه المسألة:
أجاب الإمام العلامة [حافظ العصر شهاب الدين] بن حجر: [الحمد لله، اللهم اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك] نعم تحرم القراءة بالشواذ، وفى الصلاة أشد، ولا نعرف خلافا عن أئمة الشافعية في تفسير الشاذ: أنه ما زاد على العشر، بل منهم من ضيق فقال: ما زاد على السبع.
وهو إطلاق الأكثر منهم، ولا ينبغى للحاكم - خصوصا إذا كان قاضى الشرع - أن يترك من يجعل ذلك ديدنه، بل يمنعه بما يليق به، فإن أصر فبما هو أشد من ذلك، كما
فعل السلف بالإمام أبي بكر بن شنبوذ مع جلالته؛ فإن الاسترسال في ذلك غير مرضى ويثاب أولياء الأمور [أيدهم الله تعالى] على ذلك صيانة لكتاب الله عز وجل. والله سبحانه وتعالى أعلم.
[و] كتبه أحمد بن على بن حجر، عفا الله تعالى عنه، آمين.