[ثم استفتى ثانيا بعد وقوع خبط كثير من أهل عصره؛ فكتب: الحمد لله، اللهم اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك. الذي أختاره في ذلك ما قاله الشيخ تقى الدين السبكي؛ فإنه حقق المسألة وجمع بين كلام الأئمة، وأما ما قاله الشيخ تقى الدين بن تيمية في ذلك فليس على إطلاقه، بل يعارضه نقل ابن عبد البر وغيره الإجماع على مقابله، وكلاهما إطلاق غير مرض، وقد أطبق أئمة الفقه والأصول في كتبهم عند ذكر الشواذ بأن فسروها بما زاد على القراءة السبع، وقليل من حذاق متأخريهم ضبطها بما زاد على العشر، والسبب في قصرهم ذلك عليها: أنها لا توجد فيما رواها إلا النادر فاغتفر ذلك رعاية للضبط وحذرا من الدعوى، ومن اقتصر من الشروط على ما يوافق رسم المصحف فقط فهو مخطئ؛ لأن الشرط الثانى وهو أن يوافق فصيحا في العربية لا بد منه؛ لأن القرآن وإن كان لا يشترط في كل فرد منه أفصح فلا بد من اشتراط الفصيح. والشرط الثالث لا بد منه وهو أن يثبت النقل بذلك عن إمام من الأئمة الذين انتهت إليهم المعرفة بالقراءة، وإلا كان كل من سمع حرفا يقرأ به ويسميه قرآنا، وفى هذا اتساع غير مرض، وهذا وارد على إطلاق الهذلى: ما من قراءة ... إلى آخر كلامه، لكنه قيد كلامه بقيد حسن، وهو ألّا يخالف الإجماع وهذا لا بد منه، والنقل موجود عن الأئمة للرجوع إليهم في ذلك بالذي قلته، فمنه ما قال أبو طالب -
هو عبد الواحد بن عمر بن محمد بن أبى هاشم صاحب ابن مجاهد - في أول كتابه «البيان عن اختلاف القراءة» وقد تبع تابع في عصرنا فزعم أن كل من صح عنده وجه في العربية بحرف من القراءات يوافق خط المصحف، فقراءته به جائزة في الصلاة وغيرها، فابتدع بدعة ضل بها ... إلى أن قال: وقد قام أبو بكر بن مجاهد على أبي بكر بن مقسم وأشهد عليه بترك ما ارتكبه واستوهب ذنبه من السلطان عند توبته. انتهى ملخصا.