وأشار بذلك إلى النحوي أبي بكر محمد بن الحسن بن مقسم؛ فإن قضيته بذلك مع ابن مجاهد مشهورة وظن بعض المتأخرين أنه عنى بذلك أبا الحسن بن شنبوذ، وهو خطأ؛ فإن بن شنبوذ كان فيما أنكروه عليه من المخالفة قراءته بأشياء تخالف المصحف مثل (فامضوا) بدل فَاسْعَوْا [الجمعة: 9] ، وأما ابن مقسم فشرط موافقة رسم المصحف، لكن استجاز القراءة بما لم ينقل عمن تقدمه إذا جمع الأمرين اللذين ذكرهما فأخل ببعض الشروط فنسب إلى البدعة، والشرط الذي أخل به يحتوى على شرطين، وهما: النقل المذكور، وأن يكون ثابتا إلى إمام مشهور بالقراءة.
فإذا تقرر هذا فالقراءة المنسوبة إلى الحسن البصرى مثلا إذا وجد فيها ما يوافق رسم المصحف والفصيح من العربية، لا بد من صحة النقل عنه، ولا يكفى وجود نسبتها إليه في كتاب ما على لسان شيخ ما، وكل ما كان من هذا القبيل في حكم المنقطع؛ فلا يجوز أن يسمى قرآنا.
وقد اشتهر في عصرنا الإقراء برواية منسوبة إلى الحسن البصرى، كان شيخنا فخر الدين
البلبيسى إمام الجامع الأزهر - نضر الله وجهه - يسندها عن شيخه المجد الكفتى عن ابن نمير السراج بسنده إلى الحسن البصرى، مع أن في إسناده المذكور الأهوازى وهو أبو على الحسن بن على الدمشقى أحد القراء المشهورين المكثرين لكنه متهم في نقله عن جماعة عن الشيخ، وقد ذكر له ابن عساكر الحافظ في تاريخه ترجمة كبيرة ونقل تكذيبه فيها عن جماعة، ومن كان بهذه المثابة لا يحتج بما تفرد به، فضلا عن أنه يدعى أن مقطوع به، ومن ادعى طريقا غير هذه إلى الحسن فليبرزها؛ فإن التجريح والتعديل مرجعه إلى أئمة النقل لا إلى غيرهم.
وقد وجد فيما نقل من هذه الطرق عن الحسن عدة أحرف أنكرها بعض من تقدم ممن جمع الحروف، كأبى عبيد والطبرى.
وبهذا التفصيل تبين عذر الأئمة في عدهم الشاذ ما زاد على العشرة؛ لندور أن يكون في الزائد عليها ما يجمع الشروط، ولا سيما إذا روعى قول الهذلى: ألا يخالف الإجماع، أي: لا يوجد عند أحد إلا عند ذلك القارئ.