هذه بعض النماذج من تفسير ابن عربي. ومنها تستطيع أن تحكم على فهمه لمعاني القرآن، كما تستطيع أن تقارن بينها وبين ما فِي تأويلات القاشانى، المنسوبة لابن عربي، لتقف على مقدار التشابه بين التفسيرين، وتأثر كل منهما بعقيدته فِي وحده الوجود.
وبعد .. فهذا هو تفسير الصوفية، وهؤلاء هم أهم مفسريه، وهذه هي أهم الكتب المؤلَّفة فيه، ولعلى أكون قد أوفيتُ البحث حقه، وألممتُ بالموضوع من جميع نواحيه.
(كيف وُجِدت الصلة بين التفسير والفلسفة؟)
في إبَّان شوكة المِلَّة الإسلامية تُرجِمَت كتب الفلسفة من اللُّغات المختلفة إلى اللُغة العربية، ويرجع الفضل الأكبر فِي هذا العمل إلى العباسيين وحدهم، إذ أنهم نظموا الترجمة الإسلامية وشجعوها.
بدأ المنصور هذه الحركة المباركة، وتعهدها أبناؤه وأحفاده من بعده، وبلغ بها المأمون - خاصة - القمة، وأضحت بغداد كعبة علمية يحج إليها الطُلاب من كل مكان.
ولكى يحقق العباسيون غايتهم استخدموا طائفة من الفُرس والهنود والصابئة والمسيحيين، الذين كانوا على اتصال وثيق بالدراسات القديمة، فنقلوا إلى اللُّغة العربية كتب فلاسفة اليونان، والهند، والفُرس، وغيرهم، ثم أُذيعت هذه الكتب بين المسلمين، فقرأوها قراءة النَهِم المتعطش لهذا النوع من العلم الذي لم يكن لهم به عهد من قبل.
قرأ بعض المسلمين هذه الكتب الفلسفية، فلم يرقهم أكثر ما فيها من نظريات وأبحاث، لأنهم وجدوها تتعارض مع الدين، ولا تتفق معه بحال من الأحوال، فكرَّسوا حياتهم للرد عليها، وتنفير الناس منها، وكان على رأس هؤلاء: الغزالي، والفخر الرازي، الذي تعرَّض فِي تفسيره لنظريات الفلاسفة التي تبدو فِي نظره متعارضة مع الدين، ومع القرآن على الأخص، فردَّها وأبطلها بمقدار ما أسعفته الحُجَّة، وانقاد له الدليل.