مما تقدم يتضح لنا أن التصوف ينقسم إلى قسمين أساسيين:
تصوف نظرى: وهو التصوف الذي يقوم على البحث والدراسة.
وتصوف عملى: وهو التصوف الذي يقوم على التقشف والزهد والتفانى فِي طاعة الله. وكل من القسمين كان له أثره فِي تفسير القرآن الكريم، مما جعل التفسير الصوفى ينقسم أيضاً إلى قسمين: تفسير صوفى نظرى، وتفسير صوفى فيضى أو إشاري ... وسنتكلم على كل قسم منهما بما يفتح الله به ويوفق إليه:
ابن عربي شيخ هذه الطريقة
ونستطيع أن نعتبر الأستاذ الأكبر محيى الدين بن عربي شيخ هذه الطريقة فِي التفسير، إذ أنه أظهر مَن خَبَّ فيها ووضع، وأكثر أصحابه معالجة للقرآن على طريقة التصوف النظرى، وإن كان له من التفسير الإشاري ما يجعله فِي عداد المفسِّرين الإشاريين إن لم يكن شيخهم أيضاً.
(تأثر ابن عربي بالنظريات الفلسفية)
نقرأ لابن عربي فِي الكتب التي يُشَك فِي نسبتها إليه، كالتفسير المشهور باسمه، وفى الكتب التي تُنسب إليه على الحقيقة كالفتوحات المكية، والفصوص، فنراه يطبق كثيراً من الآيات القرآنية على نظرياته الصوفية الفلسفية.
فمثلاً يُفسِّر بعض الآيات بما يتفق والنظريات الفلسفية الكونية، فعند قوله تعالى فِي الآية [57] من سورة مريم فِي شأن إدريس عليه السلام: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} ... نجده يقول:"وأعلى الأمكنة المكان الذي تدور عليه رحى عالَم الأفلاك، وهو فلك الشمس، وفيه مقام روحانية إدريس، وتحته سبعة أفلاك، وفوقه سبعة أفلاك، وهو الخامس عشر".
ثم ذكر الأفلاك التي تحته، والتي فوقه، ثم قال:"وأما علو المكانة فهو لنا - أعنى المحمدين - كما قال تعالى: {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ} فِي هذا العلو، وهو يتعالى عن المكان لا عن المكانة".