وَهُوَ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقَائِقِهِ.
قال العلامة الزركشي:
قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: مَعَانِي الْعِبَارَاتِ الَّتِي يُعَبَّرُ بِهَا عَنِ الْأَشْيَاءِ، تَرْجِعُ إِلَى ثَلَاثَةٍ: الْمَعْنَى، وَالتَّفْسِيرِ، وَالتَّأْوِيلِ؛ وَهِيَ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ فَالْمَقَاصِدُ بِهَا مُتَقَارِبَةٌ.
فَأَمَّا الْمَعْنَى فَهُوَ الْقَصْدُ وَالْمُرَادُ؛ يُقَالُ: عَنَيْتُ بِهَذَا الْكَلَامِ كَذَا، أَيْ قَصَدْتُ وَعَمَدْتُ. وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْإِظْهَارِ، يُقَالُ: عَنَتِ الْقِرْبَةُ إِذَا لَمْ تَحْفَظِ الْمَاءَ بَلْ أَظْهَرَتْهُ، وَمِنْهُ عُنْوَانُ الْكِتَابِ.
وَقِيلَ: مُشْتَقٌّ مِنْ قَوْلِهِمْ: عَنَتِ الْأَرْضُ بِنَبَاتٍ حَسَنٍ، إِذَا أَنْبَتَتْ نَبَاتًا حَسَنًا. قُلْتُ: وَحَيْثُ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: قَالَ أَصْحَابُ الْمَعَانِي، فَمُرَادُهُمْ مُصَنِّفُو الْكُتُبِ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ كَالزَّجَّاجِ وَمَنْ قَبْلَهُ وَغَيْرِهِمْ وَفِي بَعْضِ كَلَامِ الْوَاحِدِيِّ: أَكْبَرُ أَهْلِ الْمَعَانِي الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ. قَالُوا: كَذَا وَكَذَا، وَ"مَعَانِي الْقُرْآنِ"لِلزَّجَّاجِ لَمْ يُصَنَّفْ مِثْلُهُ، وَحَيْثُ أَطْلَقَ الْمُتَأَخِّرُونَ أَهْلَ الْمَعَانِي، فَمُرَادُهُمْ بِهِمْ مُصَنِّفُو الْعِلْمِ الْمَشْهُورِ.
وَأَمَّا التَّفْسِيرُ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ، فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنَى الْإِظْهَارِ وَالْكَشْفِ، وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ مِنَ التَّفْسِرَةِ؛ وَهِيَ الْقَلِيلُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي يَنْظُرُ فِيهِ الْأَطِبَّاءُ، فَكَمَا أَنَّ الطَّبِيبَ بِالنَّظَرِ فِيهِ يَكْشِفُ عَنْ عِلَّةِ الْمَرِيضِ، فَكَذَلِكَ الْمُفَسِّرُ، يَكْشِفُ عَنْ شَأْنِ الْآيَةِ وَقَصَصِهَا وَمَعْنَاهَا، وَالسَّبَبِ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ، وَكَأَنَّهُ تَسْمِيَةٌ بِالْمَصْدَرِ؛ لِأَنَّ مَصْدَرَ"فَعَّلَ"جَاءَ أَيْضًا عَلَى"تَفْعِلَةٍ"، نَحْوُ: جَرَّبَ تَجْرِبَةً، وَكَرَّمَ تَكْرِمَةً.
وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيُّ: قَوْلُ الْعَرَبِ فَسَرْتُ الدَّابَّةَ وَفَسَّرْتُهَا، إِذَا رَكَضْتَهَا مَحْصُورَةً لِيَنْطَلِقَ حَصَرُهَا؛ وَهُوَ يُؤَوَّلُ إِلَى الْكَشْفِ أَيْضًا.