هذا .. وإن الشريف المرتضى لا يقتصر فِي أماليه على هذا النوع المذهبي من التفسير، بل نجده يعرض لبعض الإشكالات التي ترد على ظاهر النظم الكريم مما يوهم الاختلاف والتناقض، ثم يجيب عنها بدقة بالغة، ترجع إلى مهارته فِي اللُّغة وإحاطته بفنونها.
فمثلاً فِي المجلس الثالث (جـ 1 ص 18 - 20) يقول ما نصه:"تأويل آية - إن سأل سائل فقال:"ما تقولون فِي قوله تبارك وتعالى حكاية عن موسى: {فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} ، وقال تعالى فِي موضع آخر: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ} ، والثعبان: الحية العظيمة الخِلْقة، والجان: الصغير من الحيَّات، فكيف اختلف الوصفان والقصة واحدة؟ وكيف يجوز أن تكون العصا فِي حال واحدة بصفة ما عَظُم خَلْقه من الحيَّات وبصفة ما صَغُر منها؟ وبأى شيء تزيلون التناقض عن هذا الكلام؟ الجواب: أول ما نقول: إنَّ الذي ظنَّه السائل من كون الآيتين خبراً عن قصة واحدة باطل، بل الحالتان مختلفتان، فالحال التي أخبر أن العصا فيها بصفة الجان، كانت فِي ابتداء النبوة وقبل مسير موسى إلى فرعون. والحال التي صار العصا عليها ثعبانا، كانت عند لقائه فرعون وإبلاغه الرسالة، والتلاوة تدل على ذلك، وإذا اختلفت القصتان فلا مسألة، على أنَّ قوماً من المفسِّرين قد تعاطوا الجواب على هذا السؤال، إما لظنهم أن القصة واحدة، أو لاعتقادهم أن العصا الواحدة لا يجوز أن تنقلب فِي حالتين، تارة إلى صفة الجان، وتارة إلى صفة الثعبان.
أو على سبيل الاستظهار فِي الحُجَّة، وأنَّ الحال لو كانت واحدة على سبيل ما ظن لم يكن بين الآيتين تناقض. وهذا الوجه أحسن ما تكلَّف به الجواب لأجله، لأن الأوَّلين لا يكونان إلا عن غلط أو عن غفلة. وذكروا وجهين تزول بكل منهما الشُبهة من تأويلها.