فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 162 من 466147

(فائدة)

وقال السبتي - وقد أصاب ولله دره - في كتابه القيم (تنزيه الأنبياء عما نسب إليهم حثالة الأغبياء) ما نصه:

أما بعد فإنني قد استخرت الله تَعَالَى فِي إملاء شرح بعض آيَات رغب فِي إملائها بعض الطّلبَة المحتاطين على الدّين غيرَة مِنْهُم على أَعْرَاض النَّبِيين لِأَن لَاحَ فِي ضمنهَا بعض عتاب لَهُم فِي بعض فقرات لَا تغض من أقدارهم وَلَا تنقص من كمالهم وَلَا تقدح فِي عصمتهم وكريم أَحْوَالهم بِمَا من الله بِهِ من فَضله على من يَشَاء من عباده وَذَلِكَ لما سلط الله على سَادَات الْمُرْسلين من غثاء الْفرق المضلين من أوباش المعطلة الضَّالّين وأراذل الْيَهُود وَالنَّصَارَى ومقلدة المؤرخين وَالْقصاص المجازفين الْجَاهِلين بِحَقِيقَة النُّبُوَّة وَمَا يجوز على أَنْبيَاء الله تَعَالَى وَمَا يَسْتَحِيل وَمَا يجب على الكافة من تعزيرهم وتوقيرهم وتدقيق النّظر فِي اسْتِخْرَاج مناقبهم على أتم الْكَمَال وأعمه فتراهم يتركون مَا أوجب الله عَلَيْهِم من التفقة فِي آي الْقُرْآن من تَوْحِيد بارئهم وتنزيهه عَن النقائص وَوَصفه تَعَالَى بِمَا يجب لَهُ من صِفَات الْكَمَال والجلال وَوصف أنبيائه بِالصّدقِ والعصمة والتنزيه من الْخَطَأ والخطل وَكَذَلِكَ مَا جاؤوا بِهِ من وظائف الْعِبَادَات وَمَا أخبروا بِهِ من المغيبات والمواعظ بالوعد والوعيد وَالنَّظَر فِي الْفرق بَين الْحَلَال وَالْحرَام والمشتبهات إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا تحويه الرقوم وَلَا تحيط بِهِ ثاقبات الفهوم وَمَا عَسى أَن أَقُول فِيمَا قَالَ الله تَعَالَى فِيهِ {وَلَو أَن مَا فِي الأَرْض من شَجَرَة أَقْلَام وَالْبَحْر يمده من بعده سَبْعَة أبحر مَا نفدت كَلِمَات الله} . الْآيَة وَقَوله تَعَالَى {وَلَو أَن قُرْآنًا سيرت بِهِ الْجبَال أَو قطعت بِهِ الأَرْض اَوْ كلم بِهِ الْمَوْتَى} الْآيَة. وَقَوله تَعَالَى {لَو أنزلنَا هَذَا الْقُرْآن على جبل لرأيته خَاشِعًا متصدعا} الْآيَة. إِلَى غير ذَلِك فترى بهائم قد صرف الله قُلُوبهم وطبع عَلَيْهَا بِطَابع النِّفَاق ينكبون عَن هَذِه الواضحات من الحكم الْبَالِغَة والبراهين الصادعة ويقصدون إِلَى أَقْوَال وأفعال لَهُم يتخيلونها مثالب فِي حَقهم فيهلكون وَيهْلِكُونَ من حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ

فلنذكر الْآن مَا نذْكر مِنْهَا لكَوْنهم يستعملون ذكرهَا لتَحْصِيل أغراض لَهُم فَاسِدَة ثمَّ نعطف على مَا بَقِي مِنْهَا فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى

فَمِنْهَا قصَّة دَاوُود عَلَيْهِ السَّلَام مَعَ زوج أوريا وقصة سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام مَعَ زَوْجَة جَرَادَة وَمَا كَانَ من قصَّة الْجَسَد والكرسي وقصة يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام مَعَ امْرَأَة الْعَزِيز فِي الْهم والمراودة وقصة نَبينَا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مَعَ زيد بن حَارِثَة وَزَيْنَب بنت جحش بن أُميَّة فيتأولونها تَأْوِيل من حل من عُنُقه ربقة الشَّرِيعَة ويئس من رَحْمَة الله، ثمَّ ينسبون بعض هَذِه الْأَقْوَال إِلَى كبار الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ليموهوا بهَا على الْعَوام لِئَلَّا يردوها عَلَيْهِم ويقدحوا فِيهَا ثمَّ تراهم يَتَرَدَّدُونَ فِي نقل تِلْكَ الخرافات بالتكرار على أوجه مُخْتَلفَة تورعا فِي نقل الرِّوَايَة تورع الْكَلْب الَّذِي يرفع رجله عِنْد الْبَوْل وفمه فِي أعماق الجيفة ثمَّ قد قيض الله لتِلْك الحكايات فِي هَذَا الْوَقْت المنكوب شرذمة من المقلدة المنتمين إِلَى الْإِرَادَة وَالْقصاص المدعين فِي غرائب الْعلم وبواطن الْمعَانِي المنتمين إِلَى الْوَعْظ والتذكير فتراهم ينتقلون من الْمَزَابِل إِلَى المنابر فيطرحون الْكَلَام فِي وظائف التَّوْحِيد ومزعجات الْوَعْد والوعيد وأقسام أهل الدَّاريْنِ فِي الدَّرَجَات والدركات ويخوضون فِي أَحْوَال الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام ويتمندلون بأعراضهم على رُؤُوس الْعَوام والطغام وَلَا مُشفق على دين الله تَعَالَى وَلَا محتاط على أغمار المقلدة وَلَا زاجر ذَا سُلْطَان حَتَّى كأننا مِلَّة أُخْرَى وَلَا نغار على ذمهم وَلَا نرقب فِي أعراضهم إِلًّا وَلَا ذِمَّةً

وغرض هَؤُلَاءِ الفسقة فِي سرد تِلْكَ الحكايات المورطة قَائِلهَا وناقلها فِي سخط الله تَعَالَى أَن يهونوا الفسوق والمعاصي على بله الْعَوام ويتسللوا إِلَى الْفُجُور بِالنسَاء بذكرها لوذا حَتَّى ترى الْمَرْأَة تخرج من مجْلِس الْوَاعِظ إِلَى منزله فتسأله على التَّفْصِيل فيزيدها أقبح مِمَّا أسمعها فِي الْجُمْهُور يَقُول لَهَا هَذَا أَمر مَا سلم مِنْهُ عُظَمَاء الْمُرْسلين فَكيف نَحن فَلَا يزَال يهون عَلَيْهَا مَا كَانَ يصعب من قبل ف {إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون} {وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون} . اهـ (تنزيه الأنبياء عما نسب إليهم حثالة الأغبياء. 1/ 23 - 26) .

وقال النسفي - رحمه الله - عند تفسيره لقوله تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) } ما نصه:

وزلة آدم بالخطأ في التأويل إما بحمل النهي على التنزيه دون التحريم، أو بحمل اللام على تعريف العهد وكأن الله تعالى أراد الجنس والأول الوجه.

وهذا دليل على أنه يجوز إطلاق اسم الزلة على الأنبياء عليهم السلام كما قال مشايخ بخارى.

فإنه اسم الفعل يقع على خلاف الأمر من غير قصد إلى الخلاف كزلة الماشي في الطين.

وقال مشايخ سمرقند: لا يطلق اسم الزلة على أفعالهم كما لا تطلق المعصية، وإنما يقال فعلوا الفاضل وتركوا الأفضل فعوتبوا. اهـ [تفسير النسفي. 1/ 81] .

يقول ابن القماش: لله در مشايخ سمرقند، ولَنِعْمَ ما قالوا، فالواجب علينا مراعاة أعلى درجات الأدب والإجلال مع هؤلاء السادة الأصفياء الأتقياء الأنقياء المصطفين الأخيار، فهم أهل الفضل والكمال في الدنيا والآخرة، وليعلم كل مسلم أن هؤلاء الصفوة قدموا كل شيء وجادوا بأرواحهم وأبدانهم وأنفاسهم وألحاظهم لربهم - تبارك وتعالى - وتأمل قصة يوسف - عليه السلام - عند قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) } وكان بمقدوره أن يسأل الله المعافاة، لكنه يجود بنفسه وحريته طلبا لمرضاة ربه، وفرارا من المعصية، ومع ذلك تجد بعض المفسرين - غفر الله لنا ولهم - يقولون عند قوله تعالى {فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42) } الضمير يعود على يوسف - عليه السلام - وبعضهم يتجرأ ويزعم أن الله عاقبه بذلك لأنه نسي ذكر ربه.

أقول: (سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) فالضمير يعود على الشرابي (ساقي الملك) الذي نجا منهما، فمن طلب السجن فرارا من المعصية لا يغفل عن ربه طرفة عين، يؤيد ذلك ويعضده قوله تعالى {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) } .

وتأمل قصة سليمان - عليه السلام - عند قوله تعالى: {قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) }

قال محمد بن أبي بكر الرازي ما نصه:

فإن قيل: كيف استجاز سليمان عليه السلام تقديم اسمه في الكتاب على اسم الله تعالى حتى كتب فيه (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) [النمل: 30] .

قلنا: لأنه عرف أنها لا تعرف الله تعالى وتعرف سليمان، فخاف أن تستخف باسم الله تعالى إذا كان أول ما يقع نظرها عليه، فجعل اسمه وقاية لاسم الله تعالى. اهـ {أسئلة القرآن وأجوبتها، صـ 237}

هكذا كانوا - صلى الله عليهم وسلم وكرم وبجل - رزقنا الله جميعا مرافقتهم في الجنة -

ولله تعالى أن يخاطبهم بما شاء فهم عبيده وعباده، ونحن لا يسعنا إلا أن نتقرب إلى الله تعالى بمراعاة الأدب معهم، فمن انتقصهم أو أراد النيل منهم فقد ضل ضل بعيدا، وخسر خسرانا مبينا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت