الواجب علينا مراعاة أعلى درجات الأدب معه - صلى الله عليه وسلم - ومن ثَمَّ يجب حمل جميع آيات العتاب في حقه - صلى الله عليه وسلم - على ما يليق بمنصب النبوة، فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - معصوم في الحركات والسكنات.
ولا يلتفت إلى هفوات بعض المفسرين فِي هذا الأمر كقول الزمخشري - وقد أساء الأدب - عتد تفسير قوله تعالى {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ}
قال: معناه {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ} من ملك اليمين أو العسل.
و {تَبْتَغِي} إما تفسير لـ (تحرم) أو حال: أو استئناف، وكان هذا زلة منه؛ لأنه ليس لأحد أن يحرّم ما أحلّ الله؛ لأن الله عزّ وجل إنما أحل ما أحل لحكمة ومصلحة عرفها فِي إحلاله، فإذا حرّم كان ذلك قلب المصلحة مفسدة. اهـ {الكشاف. 4/ 564} .
ولا يخفى ما فيه من سوء أدب مع صاحب المقام المحمود والمكان الرفيع المكرَّم - صلى الله عليه وسلم -.
قال أبو حيان في فاتحة سورة التحريم:
(يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ) نِدَاءُ إِقْبَالٍ وَتَشْرِيفٍ وَتَنْبِيهٍ بِالصِّفَةِ عَلَى عِصْمَتِهِ مِمَّا يَقَعُ فِيهِ مَنْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ.
وللزمخشري هُنَا كَلَامٌ أَضْرَبْتُ عَنْهُ صَفْحًا، كَمَا ضَرَبْتُ عَنْ كَلَامِهِ فِي قَوْلِهِ: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ،) وَكَلَامُهُ هَذَا وَنَحْوُهُ مُحَقَّقٌ قَوِيٌّ فِيهِ، وَيَعْزُو إِلَى الْمَعْصُومِ مَا لَيْسَ لَائِقًا. اهـ {البحر المحيط. 10/ 207 - 208} .
وقال السمين - عند قوله تعالى في سورة غافر (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ(55) :
والظاهرُ أنَّ اللَّهَ يقولُ ما أرادَ، وإنْ لم يَجُزْ لنا نحن أَنْ نُضيفَ إليه صلَّى الله عليه وسلَّم ذنباً. هـ (الدر المصون في علوم الكتاب المكنون. 9/ 492)
وقال الخطيب الشربيني - وقد أجاد وأصاب: عند قوله تعالى في سورة النساء {وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) } في القصة المشهورة في شأن طعمة بن أبيرق (المنافق)
قال - عليه الرحمة:
{واستغفر الله} أي: مما هممت به أي: من الذب عنه [طعمة بن أبيرق] وهذا الاستغفار لا عن ذنب إذ هو منزه عن ذلك معصوم، ولكن عن مقام عال سام للارتقاء إلى أعلى منه وأتم. انتهى انتهى. {السراج المنير حـ 1 صـ 518}
أقول: المتأمل في آيات العتاب والمدقق المحقق فيها يرى أن ظاهرها عتاب وباطنها مدح وثناء، وإن شئت فقل هي المدح في أبهى صوره، فهي كَمالٌ على كَمالٍ، ورحمةٌ على رحمةٍ، وشَرفٌ على شَرفٍ، وفَضْلٌ على فَضْلٍ، ونورٌ على نورٍ، لأنها تظهر جوانب الرحمة العامة الكاملة، والرأفة التامة الشاملة فِي التركيبة المحمدية، ولولا هذا العتاب ما ظهرت وما تجلت هذه الجوانب العالية السامية.
وتأمل فِي قصة أسرى بدر مثلاً وأخذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - الفداء وتركه للقتل يتجلى لك الأمر فهو يعاتَب لإظهار فضله وعظيم قدره - صلى الله عليه وسلم - وكأنَّ الأمرَ خارجٌ عن إرادته - صلى الله عليه وسلم - لقوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} .
وهو ما يسميه البقاعي - رحمه الله - خطاب الإكراه.
وستقف على ذلك واضحا جليا - إن شاء الله تعالى - عند ذكرنا لهذه الآيات.
وتأمل قول الإمام البقاعي - وقد أجاد وأفاد ولله دره - عند قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ... (145) } حيث قال ما نصه:
ولما أطمع أول الآية في أهل الكتاب وقطع عنهم آخرها صرح بما لوّح إليه هذا الأخير وأعلمه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعاقبة أمرهم وأنه لا اتفاق بينه وبينهم أصلاً ولا اتفاق بين فريقيهم مع كون الكل من بني إسرائيل ليريحه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من التطلع إلى هدي بعضهم فقال تعالى: {ولئن أتيت الذين أوتوا} بناه للمجهول تنبيهاً على هوانهم {الكتاب} أي من اليهود والنصارى {بكل آية} أي من الآيات المسموعة مرغبة ومرهبة ومن الآيات المرئية مغرّبة ومقربة {ما تبعوا قبلتك} أي هذه التي حولت إليها وكنت الحقيق بها لكونها قياماً للناس كما أنت رسول إلى جميع الناس، لأن إعراضهم ليس عن شبهة إذا زالت زال بل عن عناد.
ثم أومأ إلى أنهم ينصبون له الحبائل ليعود ولو ساعة من نهار إلى قبلتهم ليقدحوا بذلك فيه فقال: {وما أنت بتابع قبلتهم} ثم أشار إلى عيبهم باختلافهم وتفرقهم مع نهيهم عنه فقال: {وما بعضهم} أي أهل الكتاب {بتابع قبلة بعض} مع تقاربهم في النسب، وذلك حثاً للعرب على الثبات على مباعدتهم والحذر من مخادعتهم.
{ولئن اتبعت أهواءهم} ولما كان هذا السياق لأمر القبلة فقط قال: {من بعد ما جاءك من العلم}
قال الحرالي: فأبهمه ولم يكن نحو الأول الذي قال فيه «بعد الذي» لظهور ما ذكر في الأول وخفاء ما وقعت إليه الإشارة في هذا وجاءت فيه «من» التي هي لابتداء من أولية لخفاء مبدأ أمر ما جاء من العلم هنا وظهور ذلك الأول، لأن ذلك كان في أمر الملة التي مأخذها العقل، وهذه في أمر التوجيه الذي مأخذه الدين والغيب.
قال الحرالي: قال تعالى: {إنك إذاً لمن الظالمين} على حد ما ذكر من أنه من لمح لمحاً من وصف كان من الموصوف به بألطف لطف ووصف كل رتبة بحسبها، فما يرفع عنه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من باب إظهار رغبته وحرصه على هداية الخلق الذي جبل على الرحمة فيه وطلب المسامحة في التقاصر عنه نظراً منه إلى حق الله تعالى ومضمون وصية الله تعالى له حين أوصاه بغير ترجمان ولا واسطة أن يصفح عمن ظلمه ويصل من قطعه، فكان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يطلب وصل المنقطع عنه حتى يعلن عليه بالإكراه في ترك ذلك وودعه فيجيبه حكماً وإن كان معه علماً، ومنه قوله: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» .
ففي طيّ كل خطاب له يظهر الله عز وجل فيه إكراهه على أخذ حكم الحق وإمضاء العدل أعظم مدحة له والتزام لوصيته إياه، فهو ممدوح بما هو مخاطب بخطاب الإكراه على إمضاء العدل والاختصار في أمر رحمته للعالمين، فرفعه الله أن يكون ممن يضع رحمة في موضع استحقاق وضع النقمة، فذلك الذي يجمع معناه بين متقابل الظالمين فيمن يضع النقمة موضع الرحمة فيكون أدنى الظلم، أو من يضع الرحمة في موضع النقمة فيكون منه بتغيير الوضع بوضع الفضل موضع العدل؛ وعلى ذلك جميع ما ورد في القرآن من نحو قوله: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك} أي في إمضاء العدل {فلا تكونن من الممترين} [يونس: 94] في طلب الفضل لأهل العدل فإن الله يمضي عدله كما يفيض فضله، وكذلك قوله: {عبس وتولى أن جاءه الأعمى} [عبس: 1 - 2] فيه إظهار لمدحته بحرصه على تألف الأبعدين ووصل القاطعين حتى ينصرف عنهم بالحكم وإشادة الإكراه عليه في ذلك، فلا ينصرف عن حكم الوصية إلى حكم الكتاب بالحق إلا عن إشادة بإكراهه عليه، فهو محمود بما هو منهي عنه، لأن خطابه أبداً في ذلك في القرآن فيما بين الفضل والعدل، وخطاب سائر الخلق جار فيما بين العدل والجور، فبين الخطابين ما بين درج العلو، ودرك السفل في مقتضى الخطابين المتشابهين في القول المتباينين في العلم - انتهى.
وسيأتي في قوله تعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} [التوبة: 43] في سورة التوبة ما يوضحه. اهـ (نظم الدر، حـ 2 اهـ {نظم الدر حـ 2 صـ 222 - 226}