في قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي ... ) [الأعراف: 143]
قال عبد الله بن المبارك: لما كانت الدنيا فانية، والأبصار فانية، والحق سبحانه باق، لم يحسن أن ينظر الفاني في الفاني إلى الباقي، فإذا كان يوم القيامة، خلق الله لنا دارًا باقية وأبصارًا باقية فننظر بالباقي إلى الباقي في الباقي. اهـ (مرآة الزمان في تواريخ الأعيان، لـ سبط ابن الجوزي. 2/ 75) .
اللهم لا تحرمنا بذنوبنا لذة النظر إلى وجهك الكريم.
(لطيفة أخرى)
قال ابن القيم:
والحكم: هو الحكمة، وقال [الله] لرسوله محمد صلى الله تعالى عليه وسلم: {وَأَنْزَلَ الله عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكُمَةَ} [النساء: 113] وقال {يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِى خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269] .
وقال لأهل بيت رسوله - صلى الله عليه وسلم: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِى بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب: 33] .
فالحكمة التي جاءت بها الرسل: هي الحكمة الحق المتضمنة للعلم النافع والعمل الصالح للهدى ودين الحق، لإصابة الحق اعتقادا وقولا وعملا.
وهذه الحكمة فرقها الله سبحانه بين أنبيائه ورسله، وجمعها لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، كما جمع له من المحاسن ما فرقه في الأنبياء قبله، وجمع في كتابه من العلوم والأعمال ما فرقه في الكتب قبله.
فلو جمعت كل حكمة صحيحة في العالم من كل طائفة لكانت في الحكمة التي أوتيها صلوات الله وسلامه عليه جزاء يسيرا جدا لا يدرك البشر نسبته. اهـ (إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، لابن القيم. 2/ 257) .
(لطيفة أخرى)
قال الزركشي عند قوله تعالى {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) }
وَقَدْ (سُئِلَ) بَعْضُ أَكَابِرِ الْقَوْمِ عَنْ قَوْله تَعَالَى {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ} مِنْ أَيْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ عَرَّضَ بِتَوْبَةِ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ سَتْرًا لِمَنْ أَذْنَبَ.
يُشِيرُ الشَّيْخُ إلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مَقَامًا مِنْ الْمَقَامَاتِ الصَّالِحَةِ إلَّا تَابِعًا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَوْلَا ذِكْرُ تَوْبَتِهِ عَلَيْهِ مَا حَصَلَ لِأَحَدٍ تَوْبَةٌ وَأَصْلُ هَذِهِ التَّوْبَةِ أَخْذُ الْعَلَقَةِ مِنْ صَدْرِهِ الْكَرِيمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. اهـ (المنثور في القواعد الفقهية للزركشي. ص: 80) .
(لطيفة أخرى)
{وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ... (165) }
عاد بعضهم بعض العارفين مبتلى بأمراض عديدة وآلام شديدة، فقال له يسليه: يا هذا من لم يصبر على البلاء فليس صادقا في دعوى المحبة.
فقال العارف: ليس كما قلت، ولكن من لم يجد لذة في البلاء فليس صادقا في دعوى المحبة.
قال بعض العارفين: إذا أشرب القلب حب الدنيا لم تنجح فيه كثرة المواعظ، كما أن الجسد إذا استحكم فيه الداء لم ينجع فيه كثرة الدواء. اهـ (الكشكول للعاملي الهمذاني. 2/ 262) .
من تاريخ ابن زهرة الأندلسي: (أبو يزيد البسطامي)
من كلامه: لا يكون العبد محبًا لخالقه، حتى يبذل نفسه في مرضاته سرًا وعلانية، فيعلم الله من قلبه أنه لا يريد إلا هو.
وسئل ما علامة العارف؟ فقال: عدم الفتور عن ذكره جل جلاله، وعدم الملال من حقه، وعدم الأنس بغيره.
وقال: ليس العجب من حبي لك وأنا عبد فقير، ولكن العجب من حبك لي وأنت ملك قدير. اهـ (الكشكول للعاملي الهمذاني. 1/ 65) .