هذا ما وفقني إليه ربي وخالقي، ورازقي، ووليي في الدنيا والآخرة، وهو غَايَةُ جُهْدِ الْمُقِلِّ وَقَدْرُ الطَّاقَةِ، وقدرة المفلس فإن وفقتُ - وأسأل الله العظيم ذلك - فالفضل لصاحب الفضل أولا وآخر، وظاهرا وباطنا، فله الفضل والمنة، وله الحمد والفضل والنعمة والثناء الحسن، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، لا نحصي ثناء عليه، ونسأله المزيد من فضله، ثم لأولئك العلماء النجباء النجوم الزواهر، والقمم العوالي الذين تألق نجمهم وتلألأ نورهم، فرضي الله عنهم أجمعين، وأجزل لهم الأجر والمثوبة.
وما كان من خطأ أو تقصير فمن العاجز الفقير كثير الزلات، راجي عفو رب البريات، ومن الشيطان الرجيم، فمن رأى شيئا من ذلك فليدركه بفضلة من الحلم ولْيُصْلِحْهُ مَنْ جَادَ مِقْوَلَا - على حد تعبير الإمام الشاطبي - رحمه الله - ولا يصلحه من رأيه، بل يرجع إلى كتب أولئك الأعلام، فهم أهل الذكر فِي هذا التخصص، وذوو البصائر والنّهى، وأولوا الأحلام والحجا، وهم الحذاق المهرة في هذا الفن.
وحسبي أنني قد اجتهدتُ، والمجتهدُ إن أخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران. وإني لأستغفر الله العظيم القائل {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82) }
وعلى كل فالعبد محل العجز والنقص، ولا بد له من الوقوع في الزلل والخلل، وسبحان من تفرد بالكمال، وتحلى بنعوت الجلال والجمال، فإن أردتَ انتقادا فما أيسره وما أسهله، فقد صادفتَ عبدا حقيرا أهلا لذلك، محلا للعيوب، وذَنُوبًا للذُّنُوبِ، ليس له متعلق إلا عفو العزير الغفور {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) } .
فسبحان من تفرد بالكمالات، وتنزه عن النقص والآفات، وأعطى الجزيل على العمل القليل، وتأمل في قوله تعالى في سورة يس {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19) وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) }
كيف بالغ رب العالمين في المدح والثناء على فعل هذا العبد بأن وصف مجيئه من المدينة، مع أن القصة افتتحت بقوله تعالى {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) }
ومعلوم صغر حجم القرية وهي لا تحتاج إلى كبير مشقة وعناء في الوصول إلى أي مكان شئت منها، بخلاف المدينة المتسعة الأرجاء المترامية الأطراف، فانظر إلى عظم كرم الله وجوده كيف يستكثر القليل من العبد الفقير الحقير ويثني عليه ويشكره، فالمعول عليه كرم الله وإحسانه، وفضله وامتنانه.
وما أحسن ما قيل:
وإن تجدْ عيباً فسد الخَللا ... جلَّ مَنْ لا عيبَ فيه وعَلا
وقد قيل:"من طلب عيباً وجده".
قال الجاحظ:
ولكل الناس نصيب من النقص، ومقدار من الذنوب، وإنما يتفاضل بكثرة المحاسن وقلة المساوئ.
فأما الاشتمال على جميع المحاسن، والسلامة من جميع المساوئ، دقيقها وجليلها، ظاهرها وخفيها، فهذا لا يعرف فيهم. اهـ (رسائل الجاحظ. 197) .
وقال ابن رجب الحنبلي (795 هـ) : (ويأبى الله العصمة لكتاب غير كتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطإ المرء في كثير من صوابه) . اهـ القواعد (ص: 3)
والقرآن بحر متلاطم الأمواج لا قعر له ولا ساحل، تذهب فيه حيلة السابح
قال الإمام السمرقندي فِي مقدمة تفسيره (بحر العلوم، 1/ 25)
وقد روى عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: ما من شيء إلا وعلمه فِي القرآن غير أن آراء الرجال تعجز عنه. انتهى كلامه - رحمه الله -.
والله أسأل أن يجعل هذا العمل المتواضع خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به كل المسلمين فِي مشارق الأرض ومغاربها، وأن يجعله لمن رام دخول جنة التفسير سراجا للطالبين، وعونا للباحثين، وتذكارا للعلماء المحققين.
فمن وجد لنا خطأ أو تقصيرا - ونحن محل لذلك - فليرشدنا إليه، ورحم الله من أهدى إليَّ عيوبي.
ولْيَجُدْ علينا متكرمًا بدعوة صالحة على سبيل الإحسان، لعبدٍ أخرست الذنوب لسانه، ولم تُبقِ له عند مولاه جاهًا، ولا للاعتذار وجهًا، لكنه متعلق بأذيال عفو مولاه، راجيا غفرانه ورضاه.
وإني لأتضرع إليه - مجللا بثوب الذل والانكسار، والحاجة والافتقار - داعيا ومبتهلا قائلا
يا واجب الوجود، ويا فائض الجود، ويا مفرج الكروب، ويا غاية كل مقصود، اجعل هذا العمل خالصا لوجهك الكريم، وانفع به كل من طالعه، واغفر لنا وله زلته، وامنحنا رضاك، وأسعدنا بتقواك، واجعلنا أهلا لدار كرامتك، ومحلا لعطيتك.
(رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ(286) .
والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
كتبه:
أحقر الخلق وأفقرهم إلى عفو ربه الكريم:
أبو إبراهيم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الحميد القَمَّاش
(من علماء الأزهر الشريف)
إمام وخطيب مسجد بُورُسْلِي (سابقا) - رَأْسُ الْخَيمَةِ
دَولَةُ الإِمَارَاتِ الْعَرَبِيَّةِ الْمُتَّحِدَةِ.
رَأْسُ الْخَيمَةِ - فِي سبتمر 2003 م
(عَفَا اللهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ)
التواصل مع المؤلف: عن طريق الواتساب على هذا الهاتف في مصر: 00201141163765