من ذلك ما ذكره القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6)
حيث قال:
وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: (الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) طَرِيقُ الْحَجِّ، وَهَذَا خَاصٌّ وَالْعُمُومُ أَوْلَى. اهـ (تفسير القرطبي. 1/ 147) .
وقال القرطبي أيضا عند قوله تعالى: (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ) تَعَرَّضَ لِلدُّعَاءِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: اللَّهُمَّ اصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ، فَاسْتَجَابَ لَهُ دُعَاءَهُ، وَلَطَفَ بِهِ وَعَصَمَهُ عَنِ الْوُقُوعِ في الزنى. (كَيْدَهُنَّ) قِيلَ: لِأَنَّهُنَّ جَمْعٌ قَدْ رَاوَدْنَهُ عَنْ نَفْسِهِ. وَقِيلَ: يَعْنِي كَيْدَ النِّسَاءِ.
وَقِيلَ: يَعْنِي كَيْدَ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ، عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الآية قبل، والعموم أولى. اهـ (تفسير القرطبي. 9/ 185) .
وقال أبو حيان في قوله تعالى: (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ(19)
وَالسَّائِلُ: الَّذِي يَسْتَعْطِي، وَالْمَحْرُومُ: لُغَةً الْمَمْنُوعُ مِنَ الشَّيْءِ.
قَالَ عَلْقَمَةُ:
وَمُطْعَمُ الْغُنْمِ يَوْمَ الْغُنْمِ مُطْعَمُهُ ... أَنَّى تَوَجَّهَ وَالْمَحْرُومُ مَحْرُومُ
وَأَمَّا فِي الْآيَةِ، فَالَّذِي يُحْسَبُ غَنِيًّا فَيُحْرَمُ الصَّدَقَةَ لِتَعَفُّفِهِ.
وَقِيلَ: الَّذِي مَاتَتْ مَاشِيَتُهُ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العزيز: هُوَ الْكَلْبُ.
وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لَا التَّعْيِينِ، وَيَجْمَعُهَا أَنَّهُ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ لِحِرْمَانٍ أَصَابَهُ. اهـ (البحر المحيط. 9/ 552) .
وقال القرطبي في قوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها)
وَرَوَى ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في قول تَعَالَى: (إِنَّا جَعَلْنا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها) قَالَ: الْعُلَمَاءُ زِينَةُ الْأَرْضِ.
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: أَرَادَ النَّعَمَ وَالْمَلَابِسَ وَالثِّمَارَ وَالْخُضْرَةَ وَالْمِيَاهَ، وَنَحْوَ هَذَا مِمَّا فِيهِ زِينَةٌ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الْجِبَالُ الصُّمُّ وَكُلُّ مَا لَا زِينَةَ فِيهِ كَالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ. وَالْقَوْلُ بِالْعُمُومِ أَوْلَى، وَأَنَّ كُلَّ مَا عَلَى الْأَرْضِ فِيهِ زِينَةٌ مِنْ جِهَةِ خَلْقِهِ وَصُنْعِهِ وَإِحْكَامِهِ. وَالْآيَةُ بَسْطٌ فِي التَّسْلِيَةِ، أَيْ لَا تَهْتَمَّ يَا مُحَمَّدُ لِلدُّنْيَا وَأَهْلِهَا فَإِنَّا إِنَّمَا جَعَلْنَا ذَلِكَ امْتِحَانًا وَاخْتِبَارًا لِأَهْلِهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَدَبَّرُ وَيُؤْمِنُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْفُرُ، ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَلَا يَعْظُمَنَّ عَلَيْكَ كُفْرُهُمْ فَإِنَّا نُجَازِيهِمْ. اهـ (تفسير القرطبي. 10/ 354) .
وقال الآلوسي في قوله تعالى: (ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ)
أي لا يشغلكم الاهتمام بتدبير أمورها والاعتناء بمصالحها والتمتع بها عن الاشتغال بذكر الله عز وجل من الصلاة وسائر العبادات المذكرة للمعبود الحق جل شأنه فذكر الله تعالى مجاز عن مطلق العبادة كما يقتضيه كلام الحسن وجماعة، والعلاقة السببية لأن العبادة سبب لذكره سبحانه وهو المقصود في الحقيقة منها.
وفي رواية عن الحسن أن المراد به جميع الفرائض، وقال الضحاك وعطاء: الذكر هنا الصلاة المكتوبة، وقال الكلبي: الجهاد مع الرسول صلّى الله تعالى عليه وسلم، وقيل: القرآن، والعموم أولى. اهـ (روح المعاني. 14/ 311) .
وقال ابن جزي في قوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ)
قيل: يعني لا إله إلا الله، واللفظ يعم ذلك وغيره من الذكر، والدعاء، وتلاوة القرآن، وتعليم العلم: فالعموم أولى. اهـ (التسهيل لعلوم التنزيل. 2/ 172) .
وقال الخازن في قوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ) يعني الزنا (ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ) يعني علانيته وسره وكان أهل الجاهلية يستقبحون الزنا في العلانية ولا يرون به بأسا في السر فحرم الله تعالى الزنا في السر والعلانية.
وقيل إن الأولى حمل لفظ الفواحش على العموم في جميع الفواحش المحرمات والمنهيات فيدخل فيه الزنا وغيره لأن المعنى الموجب لهذا النهي هو كونه فاحشة فحمل اللفظ على العموم أولى من تخصيصه بنوع من الفواحش، وأيضا فإن السبب إذا كان خاصا لا يمنع من حمل اللفظ على العموم وفي قوله ما ظهر منها وما بطن دقيقة وهي أن الإنسان إذا احترز عن المعاصي في الظاهر ولم يحترز منها في الباطن دل ذلك على أن احترازه عنها ليس لأجل عبودية الله وطاعته فيما أمرها به أو نهى عنه ولكن لأجل الخوف من رؤية الناس ومذمتهم ومن كان كذلك استحق العقاب ومن ترك المعصية ظاهرا وباطنا لأجل خوف الله وتعظيما لأمره استوجب رضوان الله وثوابه. اهـ (لباب التأويل في معاني التنزيل. 2/ 171 - 172) .
وقال الشوكاني في قوله تعالى: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ) وَظَاهِرُهُ الْعُمُومُ، وَأَنَّ ائْتِلَافَ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، هُوَ مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ الَّتِي أَيَّدَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ. وَقَالَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ: الْمُرَادُ: الْأَوْسُ، وَالْخَزْرَجُ، فَقَدْ كَانَ بَيْنَهُمْ عَصَبِيَّةٌ شَدِيدَةٌ، وَحُرُوبٌ عَظِيمَةٌ، فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بِالْإِيمَانِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ: أَرَادَ التَّأْلِيفَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَالْحَمْلُ عَلَى الْعُمُومِ أَوْلَى، فَقَدْ كَانَتِ الْعَرَبُ قَبْلَ الْبِعْثَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ يَأْكُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَلَا يَحْتَرِمُ مَالَهُ، وَلَا دَمَهُ، حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَامُ، فَصَارُوا يَدًا وَاحِدَةً، وَذَهَبَ مَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ. اهـ (فتح القدير. 2/ 368) .
وقال القنوجي في قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) والمراد بالرجس الإثم والذنب المدنسان للأعراض الحاصلان بسبب ترك ما أمر الله به، وفعل ما نهى عنه فيدخل في ذلك كل ما ليس فيه رضا الله.
وقيل: الرجس الشك، وقيل: السوء، وقيل: عمل الشيطان، والعموم أولى. اهـ (فتح البيان في مقاصد القرآن. 11/ 85) .