قال العلامة ابن جزي:
وأما القصص فهي من جملة العلوم التي تضمنها القرآن فلا بد من تفسيره إلا أن الضروري منه ما يتوقف التفسير عليه، وما سوى ذلك زائد مستغنى عنه، وقد أكثر بعض المفسرين من حكاية القصص الصحيح وغير الصحيح حتى أنهم ذكروا منه ما لا يجوز ذكره مما فيه تقصير بمنصب الأنبياء عليهم السلام، أو حكاية ما يجب تنزيههم عنه.
وأما نحن فاقتصرنا فِي هذا الكتاب من القصص ما يتوقف التفسير عليه، وعلى ما ورد منه فِي الحديث الصحيح. اهـ (التسهيل لعلوم التنزيل. 1/ 17) .
ومن ذلك ما ذكره بعض المفسرين في قصة الغرانيق عند قوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) } .
قال الإمام برهان الدين البقاعي - عليه سحائب الرحمة والرضوان من الرحيم الرحمن:
وقد زالت بحمد الله عن هذه الآية - بما قررته الشكوك، وانفضحت مخيلات الشبه، وانقمعت مضلات الفتن، من قصة الغرانيق وما شاكلها مما يتعالى عنه ذلك الجناب الرفيع، والحمى العظيم المنيع، ولم يصح شيء من ذلك كما صرح به الحافظ عماد الدين ابن كثير وغيره كيف وقد منع الشيطان من مثاله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنام، كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه
«من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي» وقد تولى الله سبحانه حفظ الذكر الحكيم بحراسة السماوات وغيرها {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) } {إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ} [الجن: 27] . اهـ (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور. 13/ 74 - 75) .
وقال أبو حيان:
وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ فِي كُتُبِهِمُ ابْنُ عَطِيَّةَ وَالزَّمَخْشَرِيُّ فَمَنْ قَبْلَهُمَا وَمَنْ بَعْدَهُمَا مَا لَا يَجُوزُ وُقُوعُهُ مِنْ آحَادِ الْمُؤْمِنِينَ مَنْسُوبًا إِلَى الْمَعْصُومِ صَلَوَاتِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَأَطَالُوا فِي ذَلِكَ وَفِي تَقْرِيرِهِ سُؤَالًا وَجَوَابًا وَهِيَ قِصَّةٌ سُئِلَ عَنْهَا الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ جَامِعُ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، فَقَالَ: هَذَا مِنْ وَضْعِ الزَّنَادِقَةِ، وَصَنَّفَ فِي ذَلِكَ كِتَابًا.
وَقَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبَيْهَقِيُّ: هَذِهِ الْقِصَّةُ غَيْرُ ثَابِتَةٍ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ.
وَقَالَ مَا مَعْنَاهُ: إِنَّ رُوَاتَهَا مَطْعُونٌ عَلَيْهِمْ وَلَيْسَ فِي الصِّحَاحِ وَلَا فِي التَّصَانِيفِ الحديثة شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرُوهُ فَوَجَبَ اطِّرَاحُهُ وَلِذَلِكَ نَزَّهْتُ كِتَابِي عَنْ ذِكْرِهِ فِيهِ.
وَالْعَجَبُ مِمَّنْ نَقْلِ هَذَا وَهُمْ يَتْلُونَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى (وَالنَّجْمِ إِذا هَوى مَا ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى) وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى آمِرًا لِنَبِيِّهِ (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ) وَقَالَ تَعَالَى (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ) الْآيَة. وَقَالَ تَعَالَى: (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ) الْآيَة. فَالتَّثْبِيتُ وَاقِعٌ وَالْمُقَارَبَةُ مَنْفِيَّةٌ.
وَقَالَ تَعَالَى (كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ) وَقَالَ تَعَالَى: (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى) وَهَذِهِ نُصُوصٌ تَشْهَدُ بِعِصْمَتِهِ.
وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَعْقُولِ فَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ لِأَنَّ تَجْوِيزَهُ يَطْرُقُ إِلَى تَجْوِيزِهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ وَالشَّرِيعَةِ فَلَا يُؤْمَنُ فِيهَا التَّبْدِيلُ وَالتَّغْيِيرُ، وَاسْتِحَالَةُ ذَلِكَ مَعْلُومَةٌ. اهـ (البحر المحيط. 7/ 526) .
ومن ذلك ما ورد في حق سليمان - عليه السلام - في بناء الصرح الممرد من قوارير، وذكر ما لا يليق بمنصب نبي الله سليمان - عليه السلام -، وسيأتي الرد عليه في موضعه - إن شاء الله -.
قال الشيخ/ محمد عزت دروزة صاحب التفسير الحديث عند تفسيره لقوله تعالى: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) } ما نصه:
ولقد أورد المفسرون في سياق هذه الآيات بيانات معزوة إلى رواة الأخبار.
منها ما هو متطابق مع ما ورد في سفر الخروج ومنسجم مع دلالة الآيات. ومنها ما ليس كذلك، بل وفي بعضها تزيد وإغراب لا سند لهما. ولم نر طائلا في نقل ذلك أو تلخيصه. لأن القصص القرآنية عامة ومنها هذه السلسلة لم ترد للإخبار وإنما وردت للعظة والتمثيل بالقدر الذي اقتضته حكمة التنزيل لتحقيق هذا الهدف. وهو ما يجب الوقوف عنده فيما نرى. اهـ (التفسير الحديث. 3/ 195) .
ومنها ما ذكره المفسرون عند قوله تعالى {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) }
قال أبو حيان - منكرا على بعض المفسرين:
وَذَكَرُوا اخْتِلَافًا فِي صِغَرِ النَّمْلَةِ وَكِبَرِهَا، وَفِي اسْمِهَا الْعَلَمِ مَا لَفْظُهُ.
وَلَيْتَ شِعْرِي، مَنِ الَّذِي وَضَعَ لَهَا لَفْظًا يَخُصُّهَا، أَبَنُو آدَمَ أَمِ النَّمْلُ؟؟!!!
وَقَالُوا: كَانَتْ نَمْلَةً عَرْجَاءَ!!. اهـ (البحر المحيط. 8/ 219) .